أرى قلبي سينقطع اشتياقا ... وأحزانا، وما انقطع الطريق (2) .
وإذا ما اغترب أحد هؤلاء الناس لسبب ما، فكل شيء يسمعه أو يراه، ويذكره بموطنه، يهيج مشاعره، ويؤجِّج توقه، كما تُؤجَّجُ النارُ الكامنةُ تحت الرماد. وما كان له أن يصبر على البعد إذا ما هدلت حمامة، أو هبت رياح، أو ومض برق من جهة نجد، فيتذكر الأماكن التي ألفها، والناس الذين عاشرهم. ... ومن عَلوى الرياحُ لها هبوبُ
وما أبلغ أبيات ذلك البدوي الذي قدم إلى بغداد فسمع غناء الحمائم في بستان إبراهيم بن المهدي وربما لمح برقًا، فحن إلى بلده، فراح يخمن الأماكن التي ينزل فيها المطر، وقد تنسم مع الريح نفحات نجد، وفوح عراره، فلم يستطع حبس عبراته:
أشاقتك البوارقُ والجَنوبُ
أتتكَ بنفحةٍ من ريح نجد ... تَضَوَّعُ والعرارُ بها مَشوبُ
وشِمتُ البارقاتِ فقلت: جيدت ... حبالُ البِشْرِ أو مُطِرَ القَليبُ
ومن بستان إبراهيم غَنَّتْ ... حمائمُ بينها فَننٌ رطيبُ
فقلتُ لها: وُقيتِ سهامَ رام ... ورُقطَ الريشَ مَطعَمُها الجُنوبُ
كما هيَّجتِ ذا حَزَنٍ غريبًا ... على أشجانه فبكى الغريبُ (3) .
ويلاحظ مدى شفافية هذا البدوي في إشفاقه على هذه الحمائم من أن تصيبها سهام الصيادين، ولعل خوفه نابع أصلًا من إشفاقه على حمائم نجد، ومن ثم على الحمام كله في أي مكان. ... فقد زادَنِي مسراكَ وجدًا على وجدِ
ولابن الدمينة (أو ابن الطثرية في رواية ثانية) . موقف يقارب هذا حين هاجه هبوب الصبا، وهديل الحمام، فسابقت دموعه أشواقه إلى نجد، ومن يحب فيه:
ألا يا صَبا نجد متى هِجتَ من نجد
أَإِنْ هتفت ورقاءُ في رونقِ الضحى ... على فنن غَضِّ النباتِ من الرَّندِ
بكيتَ كما يبكي الحزينُ صبابة ... وذبتَ من الشوق المبرح والصَّدِّ
بكيتَ كما يبكي الوليدُ، ولم تكن ... جَزوعًا، وأبديتَ الذي لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المُحبَّ إذا دنا ... يملُّ، وأنَّ النأيَ يشفي من الوجدِ
بكلٍّ تداوينا فلم يشفَ ما بنا ... على أن قُربَ الدارِ خيرٌ من البُعدِ (4) .