وفي المقامة البصرية، ( [68] ) نرى أبا زيد وقد تاب إلى الله من صنعته، ونراه يندم على ذنوبه، وينشد:
أَسْتَغْفِرُ الله مِنْ ذُنُوبٍ
كَمْ خُضْتُ بَحْرَ الضَّلال جَهْلا ... ورُحْتُ في الغَيِّ وَاغْتَدَيْتُ
وَكَمْ تَنَاهَيْتُ في التَّخطّي ... إِلى الخَطايا وَمَا انْتَهَيْتُ
فَلَيْتَني كُنْتُ قَبْلَ هَذَا ... نَسْيًا وَلَمْ أَجْنِ ما جَنَيْتُ
.يا ربِّ عفوًا فَأَنْتَ أَهْلٌ ... لِلْعَفْوِ عَنِّي وَإِنْ عَصَيْتُ ( [69] )
فقد ضمن الشعر جزءا من الآية: {وَكُنْتُ نَسْيًٍا مَنْسِيًا} ( [70] ) .
ويغيب بطلنا عن المسرح، ولكن الحارث بن همام يعلم أنه رجع إلى بلده"سروج"بعد أن خرج منها الروم،"ولبس الصوف وأَمّ الصفوف، وصار بها الزاهد الموصوف. وبذلك لم يعد ذا المقامات، فقد أصبح ذا الكرامات. ويرحل إليه، ... فيعرف الحارث أنه أصبح من المتصوفة الذين أخلصوا وجوههم ونفوسهم إلى ربهم. فيرحل عنه، وهو يقول له: وَهَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ. وكانت هذه خاتمة التلاقي." ( [71] )
وهكذا ختمت المقامات بخير ختام، كما بدئت ببداية طيبة مناسبة، وقد ظل الحريري محافظًا - في مقاماته - على الاقتباس من القرآن الكريم، وكأنه يريد أن يعرف الناس أن القرآن معين لا ينضب، وينفع للاقتباس في كل ضروب الأدب والحياة، وقد صدق.
? المراجع:
1.القرآن الكريم.
2.كتاب مقامات الحريري ، القاهرة، مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني د.ت.
3.أهل الكدية أبطال المقامات في الأدب العربي. عبد النافع طليمات.دار ابن الوليد، 1957م.
4.رأي في المقامات، د. عبد الرحمن ياغي،بيروت، 1969م، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع.
5.مجمع الأمثال. الميداني، أبو الفضل أحمد بن محمد. دار الجيل، بيروت، 1978م.
6.جمهرة الأمثال. العسكري، ابو هلال الحسن بن عبد الله. دار الجيل، بيروت،1988م.
7.المستقصى في أمثال العرب، الزمخشري، جار الله أبو القاسم محمود. دار الكتب العلمية، 1978م.