ونلاحظ الاقتباسات القرآنية في كثير من المقامات، سواء أكانت اقتباسات مباشرة للآيات الكريمة أم استخدام تعابير قرآنية، أم إشارة إلى شخصياتٍ و أحداثٍ مذكورة في القرآن الكريم، ففي المقامات الرازية، والفقهية، والفراتية، والصورية، والمروية، والعمانية، والرحبية، والساسانية، من مقامات الحريري، نقرأ اقتباسات كاملة لبعض الآيات الكريمة كما نقرأ جزءا من الآية، وكل هذه الاقتباسات تأتي في كلام أبي زيد السروجي، بطل المقامات.
يجمّل أبو زيد كلامه بآيات كريمة سواء أكان كلامه خطبة أم موعظة أمام جماعة من الناس، ويستخدمها لإثبات"صحة"أو"حقيقة"كلامه، أو كخلاصةٍ لمنطقه الذي لا يمكن الرد عليه، وهذه الآيات الكريمة تستخدم لإكمال ما قاله جزئيًا أو كاملًا، وتتوافق هذه الاقتباسات مع النص في السجع والمعنى، وتصبح جزءا لا يتجزأ من النص، ونرى بعض الأمثلة من ذلك عندما نقرأ: وَلاَتَيْأََسْ مِنْ رَوْحِ اللهِ { إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون } ( [3] ) ، ويأتي هذا الاقتباس في المقامة الساسانية، حيث يحكى أن أبا زيد لما شاخ أوصى ابنه بأن لا صناعة أنفع من الكدية. ( [4] )
وفي المقامة الساوية ( [5] ) يقف أبو زيد بالمقابر واعظًا، ويتحدث عن القدر وأن على كل إنسان ألاَّ ينسى قدره وجزاءه عند ربه، وينهي كلامه بآية كريمة: { ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُون} ( [6] ) ، وقد جاءت متناسقة مع كلامه قبلها حيث نقرأ:
"...ولا تُخْطِرُونَ ذِكْرَ الْمَوْتِ بِبال * حتَّى كأَنَّكُمْ قَدْ عَلِقْتُمْ مِنَ الحِمام * بِذِمام * أَوْ حَصَلْتُمْ مِنَ الزَّمان * على أمان * أَوْ وَثِقْتُمْ بِسَلامَةِ الذَّات * أَوْ تَحَقَّقْتُمْ مُسَالَمَةَ هَادِمِ اللذَّات * كَلاَّ ساءَ ماتَتَوَهَّمُون * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُون * ثُمَّ أَنْشَدَ..."
وتليها أبيات شعرية. ( [7] )