ظل مصير وردة وطفلتها مجهولًا، إلى أن جاءه نبأ من باريس، حمله صديق قديم، يفيد بأن رجال (الغستابو) أعدموا خمسين رهينة، بينهم صديق العرب، نائب باريس، والصحفي اليساري المعروف (غبرئيل بيري) . ولم يستبعد الصديق أن تكون وردة في عداد من أعدموا.
انتهت الحرب، ولم يوفق اليسراوي في العثور على أثر لوردة أو ابنته سعدى.
عكف على كتابة الدراسات عن أوضاع الوطن العربي، وساهم في بعض الانقلابات والأحداث السياسية، وتعرض للمتاعب ومحاولات اغتيال كثيرة.
حين سئم، وخاب أمله في وحدة العرب وتضامنهم ونهضتهم، انزوى"هاربًا من السياسة والسياسيين، والعساكر والانقلابيين والانتهازيين والوصوليين، المتاجرين بالشعارات والأديان والمذاهب والأيديولوجيات، من مختلف الطوائف والجماعات"، منصرفًا إلى كتابة"رسالة الراح والأرواح".
أما ابنته، فيظهر له فيما بعد أنها ما زالت على قيد الحياة، وأنها تعرضت لمتاعب كثيرة، منذ إعدام أمها، وأنها جدّت في البحث عنه، إلى أن عثرت على مكانه أخيرًا.
وما إن تلقى هذا النبأ السعيد، وأن ابنته قادمة لرؤيته، حتى قتلته الفرحة، قبل أن تكتحل عيناه برؤيتها، تاركًا لها ولصديقه رسالته التي انتهى توًا من كتابتها، وهي مضمون الجزء الثاني من الكتاب.
إن ذكرى وردة هو الذي أوحى لليسراوي بكتابه"رسالة الراح والأرواح"، رغم علمه -كما يقول- بأن ما كتبه بهذا الشأن"لا يتعدى أن يكون أضغاث أحلام، كشاعر يرى طيف من أحب يحوم بين النجوم".
فرحلة اليسراوي إذن، هي رحلة إلى عالم آخر، إلى نجوم جديدة وكواكب بعيدة، حيث ارتحلت وردة، يبحث فيها عن طيف طالما داعب وجدان أعلام الشعر الصوفي المتسامي وقيمهم، دون أن يعثر على أثر لمحبوبته.
كما أن طيف المعري كان ملازمًا له حتى النهاية، ففي الرسالة إشارات مطولة إلى أخبار أبي العلاء المعري وعصره، وإلى رسالتيه الغفران والملائكة، وإلى ما ورد فيهما من قضايا أدبية ونحوية وصرفية.