ومن الطبيعي أن ينقب الباحثون عن الحادثة الطبيعية وراء هذه المعجزة. يعتقد الكاتب الإيطالي رامبولدي، أنه يمكن تقبل فكرة حدوث عواصف عنيفة أعمت جنود أبرهة.
ولكننا نعتقد مع أكثر من مستشرق، أن الأقرب أن نرى في هذه المعجزة جائحة جدري، خاصة أن هذا التفسير يتناسب مع شواهد تاريخية.
إن عام حصار مكة، هو عام ولادة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أطلق عليه بعض المؤرخين العرب عام الفيل. وتوجد وثائق تاريخية تفيد أن أول جائحة جدري حدثت عند العرب في ذلك التاريخ.
ومهما يكن من أمر فالحادثة تشير إلى حدوث جدري في ذلك التاريخ وإلى معرفة العرب له.
هذا وقد جاء في الكتب الطبية العربية ذكر مفصل للأوبئة مع ذكر أسبابها وعلاماتها ومعالجتها.
يقول مدين القوصوني المصري (2) "الوباء: هو الطاعون أو كل مرض عام. وقال حذاق الأطباء: هو تغير يعرض لجوهر الهواء فيستحيل إلى الرداءة، ويسري في الأبدان بالاستنشاق كسريان السم".
أما أسباب الأوبئة فيجمعها علي بن رضوان (3) في أربعة:
1-تغير كيفية الهواء: ويكون على نوعين: أما تغير معتاد فلا ضرر منه.
وأما تغير خارج مجرى العادة كان تزداد سخونته أو برودته أو رطوبته أو جفافه أو تخالطه حال عفنية وقد تكون هذه قريبة أو بعيدة.
والمعلوم أن الهواء إحدى الطرق لانتقال الحشرات والهوام ومعها الجراثيم.
2-تغير كيفية الماء: أن يفرط زيادة أو نقصانًا، أو"تخالطه حالة عفنية". فيضطر الناس إلى شربه. ويفسر تعفن الماء أما بوجود قتلى تعفنت أجسادهم في الماء وأما أن بعض الناس (كأهل فسطاط) يرمون بجثث قططهم وكلابهم وسنانيرهم في مجاري المياه التي يشربونها فتتعفن.
وكلنا يعلم أن الماء هو إحدى الطرق المعتادة لانتقال الجراثيم الوبائية: كالكوليرا والحمى التيفية، والزحار..