إن رحلة ابن حوقل إلى صقلية هي نموذج طريف لرحلاته الجغرافية.. وإذا أردنا أن نقول شيئًا عن ابن حوقل وكتابه ورحلاته، نستطيع القول أنه بصفة عامّة، وبصرف النظر عن موقفه المتحامل من أهل صقلية والأندلس، فإنه يعدّ دون شكّ من أبرز الجغرافيين الرحالة، فكتابه حوى وصفا شائقًا وحيويًا لأحوال البلدان والأقاليم التي زارها ووصفها وصف الخبير المتحقق. هذا شيء والشيء الآخر أن ابن حوقل تميّز بكثير من صفات الباحث المتحقق المدقق. ولقد أثنى عليه كثير من الباحثين والمستشرقين، فهذا كراتشوفسكي المستشرق الروسي في كتابه"تاريخ الأدب الجغرافي العربي"، يقول:"إنه يجب الاعتراف بأن ابن حوقل هو الخبير الأول من بين جغرافيي المدرسة الجغرافية في شؤون المغرب". أما آدم متز صاحب كتاب"الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري"سالف الذكر، فيقول عن ابن حوقل وزميله الجغرافي الرحالة المشهور جدًّا (المقدسي) :"ثمّ جاءت كتب المقدسي وابن حوقل في القرن الرابع الهجري، فكانت هي الذروة التي بلغها العرب في وصف البلدان.. وكلاهما قد سافر حتى دوّخ الممالك وحمله تيار الأسفار واستهوته حياة الارتحال والسياحة على طريقة المسلمين، وكلاهما أيضًا قد اطلع على الكتب التي صنفت في هذا الفن، وكلاهما قد انتهت إليه اللغة أكثر انصقالًا ودقة وأسلس قيادًا، ممّا وجدها المؤلفون المتقدّمون، وقد استعملاها في فنهما استعمال من يملك ناصيتها، وإن كان ابن حوقل في ذلك أقلّ إظهارًا لتكلف الطرافة والجمال من المقدسي".
أما الأستاذ علي محسن مال الله صاحب كتاب"أدب الرحلات عند العرب"، فإنه يثني على خلو كتاب ابن حوقل من الخوارق والأعاجيب التي لم تتسرّب إلى كتابه. ويرى أن رحلاته تعدّ مصدرًا نفيسًا لجغرافية بلاد المسلمين في القرن الرابع الهجري، ولا سيما فيما يتصل بالتصوير الطبغرافي (7) ، ويثني مال الله كذلك على علم ابن حوقل بفنّ المعمار الإسلامي ودرايته.