وإذا أضفنا كلمة (اختراع) إلى كلمة (الخُراع) فسوف تتشابك لدينا دلالات، كلّ منها مع الأخرى، تشابكًا يوحي بابتكار شيء يخالف المألوف مخالفة، تدخل بنا دائرة الجنون والموت الحقيقي أو المجازي.. من شدّة الضحك. وإذا أضفنا إلى ذلك أن جذر الاختراع والخُراع هو (الخَرَع) -ويعني الرخاوة في الشيء والدهش -فسوف ندرك أننا أمام عنوان مدهش برخاوته وبسخريته الضاحكة، التي تتراءى لنا في أول جملة في الكتاب بعد الاستفتاح باسمه سبحانه عزّ شأنه، وهي: قال أبو خرافة، الهذّاء، القشيري، سامحه الله تعالى.
بين أيدينا كتاب مروي عن رجل اخترعه الصفدي، واختار له كنية (أبا خرافة) ، ولقبًا (الهذاء) ، يبوحان ببعد روايته عن الحقائق وبقربها من الأوهام. وقد تحدث أبو خرافة عن حضوره مجلس أدب اخترع فيه أحد الظرفاء بيتين من الشعر، فأخذ أصحاب المجلس في الإعجاب"ممّا اتفق له فيهما من اختلال النظم، واختلاف القافية، وعدم الإعراب، وخلاف أوضاع اللغة، وتناقض المعنى وفساده والتخبيط في التاريخ"، ثم رأى واحدٌ من أصحاب المجلس أن البيتين بحاجة إلى شرح، ينخرط في سلكهما الغريب، فالتزم ذلك بعض من حضر، وانصرف ليلته، ثم صَبَّحهم بشرحٍ انخرط في سلك ما في البيتين من الغرائب، وقد مهّد لذلك، بحديث عن نسبة البيتين إلى قائلهما، ثم أتبع ذلك بستة أقوال هي: القول في اللغة، والقول في الإعراب، والقول على المعنى، والقول على البديع، والقول على العروض، والقول على القافية.
وقد تحدّث المؤلف عن كلّ قول حديثًا مفعمًا بالسخرية، واستعان لذلك بأساليب مختلفة أبرزها ما يلي:
1-أن ينعت اسم العلم بكنية تناقض معناه، وبلقب يناقض كنيته، كقوله:"حدثني نصير الدين، أبو الهزائم، ثابت"وقوله: حدثني من كتابه أصيل الدين، أبو المفاخر، لقيط"وقوله:"وزعم مؤيَّد الدولة، أبو خاذل". ولا يخفى ما تبعثه هذه العبارات من الضحكات الساخرة من الألقاب الفخمة التي شاعت في عصر المؤلف."