هذه ثقة ابن منظور صاحب اللسان بما صنّفه، وقد توخّى الصواب والتصويب، وطبق المنهج اللغويّ العربيّ الأصيل، هذا كله بالإضافة إلى الإحاطة الكاملة بسائر المصنفات اللغوية العربية السابقة، كما أنه تجنّب المآخذ عليهم، وإنما حاول استكمال ما أهملته المعاجم اللغوية السابقة.
وقد اختتم خطبته بقوله:
"وأرجو من كرم اللّه تعالى أن يرفع قدر هذا الكتاب، وينفع بعلومه الزاخرة، ويصل النفع به بتناقل العلماء له في الدنيا، وينطق به أهل الجنة في الآخرة..." (9) .
هذه الكلمات عن علوم اللسان الزاخرة خير بيان وأجمل تبيان، فلقد كان زاد العلماء في كل زمان ومكان.
أهمية لسان العرب في العصر الحديث
هكذا تتضّح من خلال خطبة اللسان أهمية هذه الموسوعة اللغوية العربية، من حيث الجمع والاستقصاء، والاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث، والتمثيل بالأشعار والأمثال.
لقد عرف الأقدمون والمعاصرون أهمية هذه الموسوعة اللغوية الكبرى، وقد وضّح أستاذي الفاضل العلاّمة الدكتور شوقي ضيف، رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة، أهميتها لاحتوائها على الشواهد الشعرية التي حفظت لنا بعيدة عن التصحيف والضياع، وممّا قاله مؤكدًا رأيه:
"وأضاف ابن منظور إلى معجمه الذي يقع في عشرين مجلّدًا، والذي سمّاه بحق (لسان العرب) إضافة جديدة بارعة، ولا نقصد جمعه واستقصاءه لمادة اللغة وشواردها، فقد كانت مجموعة مستقاة قبله، وإنّما نقصد المادة الشعرية الغزيرة التي أضافها إلى معجمه" (10) .
واستطرد أستاذي الفاضل، فذكر أنه"عكف على دواوين الشعر في العصرين: الجاهليّ والإسلاميّ، عكوفًا حوّل أبياتها فيه، أو بعبارة أدق جمهور أبياتها إلى بطاقات وزّعها على المواد اللغوية المختلفة في معجمه" (11) .