ويبدو واضحًا من الآن أن العشق الذي يريد هذا الفقيه أن يتحدث عنه هو العشق العفيف المترفع عن اللذات الحسية، العشق المنسجم مع القيم الروحية التي يدعو إليها الإسلام، العشق الذي ينمو ويشتد، فيعصف بقلوب المحبين، ويوردهم حتوفهم، في كثير من الأحيان، ولكنهم، مع ذلك كله، ينزهونه عن الغرائز ويصونونه عن التدنيس، أما العشاق الآخرون الذين يبتغون مُتعًا حسية، فلا يعنيه من أمرهم شيء. حقًا، إنه يعقد بابًا بعنوان باب عقوبات فساق العشاق، ولكن هؤلاء الفساق الذين يتحدث عنهم لم يكونوا عشاقًا في كل حال، إنهم (فساق) لا أكثر قصّ عنهم ليبيّن عاقبتهم. وهذه قصة من القصص التي أوردها ابن السراج تحت هذا الباب:"وأخبرنا أبو القاسم.. قال لي رجل من الحاج: مررت بديار قوم لوط، وأخذت حجرًا مما رجموا به، وطرحته في مخلاة، ودخلت مصر، فنزلت في بعض الدور في الطبقة الوسطى، وكان في أسفل الدار حدث، فأخرجت الحجر من خرجي، ووضعته في روزنة في البيت، فدعا الحدث الذي كان في أسفل الدار صبيًا إليه، واجتمع معه، فسقط الحجر على الحدث من الروزنة فقتله" (16) والقصة كما نرى لا علاقة لها بالعشق أو بالعشاق. أما المغزى الأخلاقي للقصة، فقد حمل هذا الحاج حجرًا من ديار قوم لوط، بل من الحجارة التي رجموا بها، دون أن توضح الحكاية سبب ذلك، ثم أخذه إلى مصر ووضعه في روزنة البيت، دون أن توضح الحكاية السبب أيضًا، فلما اجتمع الحدث مع الصبي سقط الحجر عليه. فقتله. ومغزى الحكاية واضح، وكذلك مصدرها الديني، وليس من الغريب، بعد ذلك، أن يسقط ذلك الحجر بالذات على ذلك الحدث بالذات أثناء فسوقه، وإن كان بمصر، لقد كان الحجر رمزًا، ولا سيما أنه مما رجم به قوم لوط الذين اشتهروا بميلهم إلى هذا النوع من العلاقات الجنسية الشاذة.