فهرس الكتاب

الصفحة 14763 من 23694

ولقد رأى بعض الباحثين أن ثمة تعارضًا بين (الفن) الذي يتحرى الجمالَ في كل شيءٍ من دون أن يتقيد بشيءٍ، لأن الفن تحليقٌ وهيامٌ طليق، وسباحةٌ في عالم الخيال، وبين (الأديان) التي لا تعترف بغير (الحقيقة) المقيدة بضوابط المنطق والفكر، لكن هذا الرأي لم يثبت أمام معطيات الدين التي تلتقي في حقيقة النفس بالفن، فكلاهما انطلاقٌ من عالم الضرورة، وكلاهما شوقٌ مجنّحٌ لعالم الكمال، وهما يتآلفان ويلتقيان معًا في أعماق النفس البشرية.

والحديث عن الجمال يقود الذهن إلى (الزينة) التي وردت في مواضع عدة في الكتاب الكريم:"قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"الأعراف 32. وقوله تعالى:

"حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّينت.."والزينة جمالٌ، والجمالُ عنصرٌ جوهريٌ في بناء الكون، وقد وردَ في الأثر:"إن الله جميلٌ يحب الجمال"والنفسُ الإنسانيةُ التي تسعى إلى الإيمان الكامل، تعيش الجمال وتتملاّه، وترى فيه صفةً جوهريةً، تنطلق منها إلى آفاق السمو والكمال البشري.

وفي قوله تعالى:"ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح"والمصابيح هي النجوم، والنجوم زينةٌ ونورٌ، والنورُ أيضًا ضربٌ من ضروب اللونِ، والزينةُ حليةٌ ماديةٌ ولفظيةٌ، فيها جمالٌ متجددٌ، تتعدد ألوانه وأوقاته ويختلف من ليل إلى ليل، ومن فجرٍ إلى مساء، من أغراضها أن تجذب الإنسان إلى إمعان الفكر، والنظر في دقيق صنع الله وعجيب خلقه وروعة إبداعه في ألوان الجمال. وكذلك الأمر بالنسبة للآيات التي وصفت وجوه الكفار بالسواد، وعيونهم بالزرقة، فإننا نجد اللون قد أضحى وسيلةً مؤثرةً تأثيرًا معنويًا نفسيًا، لتقدم صورةً عن فئةٍ لم تكن تبصر جمال الله في الكون والخلق، فكانت الصورة الحزينةُ مساويةً في التأثير لتلك الصورة المفرحة المتألقة التي وصف الله بها (في الآية نفسها) وجوه المؤمنين بالبياض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت