وقال ابن قتيبة:"وللعرب الشعر الذي أقامه اللّه تعالى مقام الكتاب لغيرها وجعله لعلومها مستودعًا، ولآدابها حافظًا، ولأنسابها مقيّدًا، ولأخبارها ديوانًا، لايرِثّ على الدهر، ولايبيد على مرّ الزمان.." (7)
-والشاعر حكيم، والشعر مستودع الحكمة، وكتاب للتربية يصلح النفس ويهذبها، ويربّيها على القيم الفاضلة، والأخلاق الحميدة، ويزجرها- في الوقت نفسه_ عن الأفعال الدنيئة، يقبّح البخل فيحمله على السخاء، ويسفّه الجبن فيحملها على الجود، وينفّر من الفواحش والمنكرات ومذموم الخصال، فتشبّ النفس على الفضيلة، وتسمو في مدارج الرفعة والخير.
والشعراء عندئذٍ أساتذة للفضيلة، هداة مصلحون، بناة مرشدون، يجعلون سبل المكارم ممهودة لاحبة، ويرسمون المثل الرفيعة التي ينبغي أن تُحتذى.
قال العلوي:"إن الشعراء يحضّون على الأفعال الجميلة، وينهون عن الخلائق الذميمة، وإنهم سنّوا سبيل المكارم لطلابها، ودلّوا بناة المحامد على أبوابها.." (8)
ولارتباط الشعر بالحكمة كانت العرب -كما ذكر السيوطي- لاتعدّ الشاعر فحلًا حتى يأتي ببعض الحكمة في شعره، فلم يعدّوا امرأ القيس فحلًا حتى قال:
واللّه أنجح ماطلبتَ به
وكانوا لايعدّون النابغة فحلًا حتى قال: ... ولاقرارَ على زأر من الأسدِ
نبّئتُ أن أبا قابوس أوعدني
وظيفة الشعر تحدّد مكانته عُلوًا وسفلًا:
إن جليل الوظائف التي توفّر عليها الشعر العربي حدّدت مكانته، وإن نهوضه بمثل ما نهض به من غايات خلقية، وتاريخية، وقبلية، وإعلامية لقمين حقًا أن يبوّئه في المجتمع العربي تلك المنزلة الرفيعة التي تبوأها.
وقد حَفَلتْ المصادر القديمة بالحديث عن منزلة الشعر في نفوس العرب، وسيرورته فيهم، واحتفائهم بالشاعر، وفرحهم بولادته فيهم، وفي ربط ذلك كله بالوظيفة التي يؤديها.