فإذا كان يعني ما ذهب إليه مفسرو لزومياته من أنه يريد ما علق بالدين من أوهام وخرافات، وما استغل للمصالح الشخصية، فليس لأحد الحق في إساءة الظن بالمعري، بل يستحق اللوم مَنْ زوّر الدين واستغله. ولا يعقل أن يقصد المعري بقوله هذا الحط من قدر الدين والرسالات وما حملت من خيرٍ للبشرية"فحياة بلا دين وبلا قيم وبلا أخلاق وبلا إيمان بالله عدم، فائحة عفونتها وإن كانت تتزاحم بالمناكب بين الأفلاك"والتويجري هنا لا يعظ المعري ولا يحمل في مواعظ ابن القرن العشرين كما يقول، وإنما هو هارب من هذه الحضارة العصرية ومن رحلاتها إلى القمر، فإذا كان الله أعطى سلطانًا يؤكد كرم الله الذي لا حدود له فليس له أن يعتدّ بسلطانه وينسى قدرة الخالق وسخاءه، وحضارتنا اليوم لم تكن تظاهرًا على الدين بل كانت بكشوفها دعمًا له، وهو لا يدين المعري لأن ما قاله لم يكن من الوضوح واليقين اللذين يستحق بهما الدينونة، ولا يدين حضارة عصره لأن فيها ما يعجب وما ينفر، ومن حقنا نحن العرب المسلمين أن نحسن تمييز خبيثها من طيبها، فنحن أمة لنا نظم اجتماعية ومبادئ إنسانية وخلقية كثيرًا ما تساءل عنها المعري في أيامه فعكس بتشاؤمه آلام عصره وجيله، وشك بالإنسان وهو صاحب قيم ورسالة، وإن كان يقود مركبة وجودنا اليوم إلى الدمار، فإن قيمنا وتشريعنا يفرضان علينا أن نكون أكثر ثقة به، وليس لنا إلا أن نردد مع المعري قوله: ... نهاريّ القميص له ارتقاء
أسيت على الذوائب أن علاها
لعلّ سوادها دنس عليها ... وإنقاء المسنّ له نقاء
ودنيانا التي عُشِقت وأشقتْ ... كذاك العشق معروفًا شقاء