والشيخ عبد العزيز التويجري يحسن اختيار النصوص التي جعلها موضوعات لرسائله من شعر المتنبي، فقد تكون أبياتًا في الحكمة تعكس وجهة نظر الشاعر في شؤون الحياة والكون والإنسان، وقد تكون تعبيرًا عن مواقف اتخذها الشاعر تحت تأثير ظروف خاصة، فهي تمثل حبّه وكرهه، وغضبه ورضاه، ونوازع نفسه أو ردود فعله العنيفة أو الهادئة، وتفصح عن طبعه وملامح شخصيته الإنسانية.
هي مختارات تجمع بين عمق الفكرة وسحر البيان... فالقارئ يستمتع بقراءتها قدر ما يستمتع بقراءة رسائل المؤلف، ويحسّ أنه يحيا في قلب حديقة من الجمال صاغتها ريشتان مبدعتان لشاعر مبدع وناثر متمرس.
ومن الملاحظ أن الرسائل أشبه بتأملات ومحاورات وتعقيبات على النصوص، حدّد المؤلف الغرض منها في مقدمته التي جعلها على صورة رسالة وجهها إلى الشاعر أبي الطيب المتنبي... حيث يتضح منها:
أولًا:
أن شعر المتنبي أغراه في اقتفاء أثره، ومحاورته في أعماق المشكلة الإنسانية. فهو يقول:
"مشيت خلفك بخطى الوليد، ولا تظن هذا تواضعًا مني، أبدًا، ففارق الخطى بيني وبينك ينفي التطاول مني عليك، فالقصير الذي طاولك، ولم يدر أنه قصير، ولم يزن حجمه، شَّمِتَّ به، وأرسلته الينافي صورته التي هو عليها...."
وإعجاب المؤلف"التويجري"بالمتنبي تواضعه في محاورته، قد كسر حدّة التناقض بين الرجلين، وأراح القارئ من التوتر الذي يخلقه جدل بين أديبين يفترقان طبعًا وزمنًا وفكرًا.
ثانيًا:
إن شعر المتنبي كان مدرسة للمؤلف.. يستقرئ منه أعماق الحياة، وعظمة التجربة، فالشاعر له فضل الأستاذ على التلميذ.
ثالثًا:
إن ما كتب لنفسه كان لذاته، ولم يشأ أن يخرجه إلى الوجود، وحين شجعه الأصدقاء على ذلك أصابه الحياء من المغامرة، لأن هذه الرسائل تحمل من أعماق نفسه ذبول المعرفة عنده، فكيف يضعها مقابل يقين الرؤية الواسعة عند شاعر عظيم هو المتنبي؟؟
رابعًا: