رسالة حي بن يقظان لؤلؤة من أجمل لآلئ الفكر العربي الإسلامي. هي سمفونية فلسفية إشراقية صوفية إصلاحية نفسية اجتماعية يعزفها مؤلفها أو قارئها على شكل حكاية بارعة رائعة.. إنها تلخص حسب ظن المؤلف أصل الإنسان وإن كانت تهمل النظر في تسلسل مراتب المخلوقات في النشوء والتطور كما فعل مثلًا بعده ابن خلدون. وهي تسجل تاريخ المعرفة الإنسانية وتتبينُ مراحل هذه المعرفة المتّئدة المستندة إلى النظر والمشاهدة والقياس والتجربة والاستنباط والفكر ثم الحدس العلوي، وإن كان ينقص هذه المعرفة أثر اللغة والأثر الاجتماعي. إنها كما سلف في تلخيص الرسالة تنوّه بأحداث الحياة والموت وتشيد ببعض مزايا خَلْق الإنسان كالانتباه لشأن يد الإنسان في الذكاء الإنساني ولشأو طاقة النار في تحقيق شتى مآربه الضرورية، كما تنوّه بطلاقة الفكر الحر الذي لا حدود له. كل ذلك ببيان راقٍ ورائق يتعادل فيه المبنى والمعنى ويتساوق اللفظ والفكر وتجري الحوادث بتقدم منطقي مطّرد وراسخ وتوقل سامٍ ودقيق وإحاطة ذكية وشاملة. ومثل هذه الرسالة كاف لأن تبوئ صاحبها وأمثاله أعلى درجات الفكر العالمي.
بل يمكن أيضًا النظر إلى الرسالة على أنها رمز إلى النوع الإنساني وسؤاله لنفسه. ما أنا؟ من أين أتيت؟ ما شأني في الحياة؟ ما الغاية؟ ما المصير؟ وكيف العمل على بلوغ السعادة؟.
وهي في ذلك تبدو سنًا حلوًا ناعمًا نتلمحه حالمين في عصر ازدحمت فيه الحاجات، وتنازعت المآرب، وتضاربت المصالح، وضاقت في سبلها المساعي، واستفحل شأن المال، واشتد ظلام المادة.
ابن طفيل -فوق نثره الفلسفي الدقيق الطلّي- شاعر رقيق مبدع كما أشرنا إلى ذلك في ريّق البحث وبدايته. أوليس لنا أن نحاول الاقتداء به فنأتي في الختام بأبيات مناسبة:
تنازع الناس في دنياهمُ وغدا
تخاصموا في انتهاب العيش واقتتلوا ... وكلهم سائر يومًا إلى العطب
لو خُيِّرَ الناس في مال وفي أدب ... لكنت أختار كنز العلم والأدب