امتلك ضياء الدين ذائقة لغوية ممتازة، تتحسس في مفردات اللغة وظيفة أخرى غير الوظيفة البيانية، ومعلوم أن للبلاغة تعاريف كثيرة، تأتى كثير منها للعرب من موارد غير عربية، كما يشهد بذلك كتاب البيان والتبيين للجاحظ وطائفة أخرى من الكتب المهتمة بهذا الجانب من الثقافة. وتكاد هذه التعاريف تأتلف على القول بأن البلاغة تكمن في أن يصل المتكلم إلى مراده بأقل قدر ممكن من الأداء اللفظي، حتى لكأنها الأفهام مع اقتصاد ويسر في الأداء. وربما كان تعريف جعفر بن يحيى البرمكي مما هو متميز في هذا الصدد. وهو يقول:"البلاغة أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويجلي عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بطول الفكرة، ويكون سليمًا من التكلف، بعيدًا من سوء الصنعة، بريئًا من التعقيد، غنيًا عن التأمل (13) ". ولقد كان ضياء الدين مدققًا في المصطلحات التي يستخدمها في وصف الخصائص الكلامية. وهو يعيد كثيرًا مما يقال في صفة الكلام البليغ من ألفاظ إلى خلق الإنسان. يقول:"وقد قيل في صفات خلق الإنسان ما أذكر ههنا، وهو الصباحة في الوجه، الوضاءة في البشرة، الجمال في الأنف، الحلاوة في العينين، الملاحة في الفم، الظرف في اللسان، الرشاقة في القد، اللباقة في الشمائل، كمال الحسن في الشعر (14) ". ولعل تحديدًا كهذا مما يشي باهتمام العالم الأديب بوظيفة ثانية للغة. وهو يرد على من يجعل فائدة وضع اللغة في البيان وحده، ويضيف إلى ذلك شيئًا آخر، هو التحسين والتجميل. يقول:"أما قولك إن فائدة وضع اللغة إنما هو البيان عند إطلاق اللفظ، واللفظ المشترك يخل بهذه الفائدة، فهذا غير مسلم به، بل فائدة وضع اللغة هي البيان والتحسين..."