فهرس الكتاب

الصفحة 10056 من 23694

وفي الختام لا بد من التنبيه على أن ما أخذه المتنبي من معاني ديك الجن وغيره من الشعراء، لا يغض من قدره، فهو _كما شهد له فيلسوف المعرة -"فخر الأمة العربية وفيلسوف الشعراء، وشاعر الفلاسفة". على أنه كان يكسو تلك المعاني حُللًا من الألفاظ رائعة الحسن، ويصوغها في قوالب من البلاغة، عجز عن مثلها أصحاب تلك المعاني ولهذا سارت أبياته وذاعت، وخملت أبيات غيره.

ثم ان المعاني مشتركة بين الشعراء قديمهم وحديثهم، وهم انما يتفاوتون بعذوبة الألفاظ وبلاغة التعبير، كما أن أكثر الشعراء يحفظ الواحد منهم عشرات الألوف من الأبيات لمن سبقه، فتترسخ المعاني في خاطره وفي عقله الباطن، فإذا ما أخذ في النظم انثالت عليه تلك المعاني، فيصوغها في قالبه وأسلوبه من دون أن يدري أنه مبتكرها أو أنه حافظها فتنطبع بطابعه وتنسب إليه. وقد يضفي عليها من أفكاره زيادة وتبيانًا فيصبح صاحبها كما جرى لأبي نواس حين قال:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء

فقد سبقه الأعشى إلى معنى الشطر الثاني من هذا البيت في قوله: ... وأخرى تداويت منها بها

وكأس شربت على لذة

لكن النواسي أتى بمعنى جديد في الشطر الأول ليس في بيت الأعشى، وهو معنى قائم بذاته، وألبس المعنى الوارد في بيت الأعشى حلة من الألفاظ ذات الجرس الموسيقي مما جعل قراءتها غناءً، فإذا ما قرأنا بصوت مسموع:

"وأخرى تداويت منها بها"

ثم قرأنا بعده:

"ودواني بالَّتي كانت هي الدَّاء"

ظهر ذلك جليًا، وعرفنا سبب سيرورة بيت أبي نواس على كل لسان، وخمول بيت الأعشى.

وما ذكر أخذ المتنبي معاني ديك الجن إلا للإشادة بقيمة شعره، وعلو كعبه، فمن الفخر له أن يستحسن معانيه شاعر عظيم كالمتنبي، كما لا يضير المتنبي أن يأخذ معنى سبقه إليه غيره، فهو كما قال (البديعي) صاحب كتاب (الصبح المنبي عن حيثية المتنبي) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت