(وقد قيل لبعض الصوفية قم إلى الصلاة فقال:
يطالب بالأوراد من كان غافلا ... كيف بقلب كل أوقاته ورد [1]
قال ابن القيم رحمه الله (وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة والتي هي أماني النفس وخداع الشيطان؛ وكأن قائلهم إنما عنى نفسه وذوي مذهبه بقوله:
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا [2]
وبعد فأين هؤلاء من قوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [3] أي الموت. ومن قوله عن صفوة عباده {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [4] وقوله سبحانه: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} [5] {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [6] .
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبد ربه حتى تفطرت قدماه فيقال له: ارفق بنفسك فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا [7] » . بل أين هؤلاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحوالهم في التعبد كما قال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [8] وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [9] وقال آمرا عباده بعبادته: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [10] .
(1) انظر ابن القيم عصره ومنهجه ص (419) .
(2) انظر مدارج السالكين (3/ 118، 119) .
(3) سورة الحجر الآية 99
(4) سورة الأنعام الآية 52
(5) سورة الليل الآية 19
(6) سورة الليل الآية 20
(7) صحيح البخاري الجمعة (1130) ، صحيح مسلم صفة القيامة والجنة والنار (2819) ، سنن الترمذي الصلاة (412) ، سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (1644) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1419) ، مسند أحمد بن حنبل (4/ 251) .
(8) سورة الفتح الآية 29
(9) سورة العنكبوت الآية 69
(10) سورة النساء الآية 36