البير نصري نادر
ولد ابو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي في اوائل القرن الثاني عشر للميلاد في مدينة صغيرة، واقعة الى الشمال الشرقي من مدينة غرناطة، تدعى «وادي آش» . وكانت ولادته قبل ولادة ابن رشد بخمس عشرة او خمس وعشرين سنة تقريبا، اي بين 504و 494هجرية.
لم يذكر لنا المؤرخون شيئا عن نشأته، ولا عن اخبار اسرته، الا ان علمه الواسع واحاطته بالفلك والرياضيات والطب والشعر والفلسفة، وعبارته الرقيقة واسلوبه الرشيق، كل ذلك يدل على ان ابن طفيل قد تعلم علوم زمانه كلها، وتلقى ثقافة ادبية كاملة.
شغل منصب امين الاسرار لحاكم ولاية غرناطة، ثم عيّن بعد ذلك كاتم اسرار للامير ابي سعيد، احد اولاد عبد المؤمن وحاكم طنجة.
ثم اتصل بأبي يعقوب يوسف، صاحب المغرب، وصحبه حتى صار طبيبه الخاص، ووزيره. وكان ابو يعقوب محبا للعلم والحكمة والفلسفة اكثر من الأدب، فجمع من كتب الحكماء شيئا كثيرا. لذلك كان ابو يعقوب يحب ابن طفيل حبا عظيما، وكان ابن طفيل يقيم في قصره اياما طويلة من غير ان يخرج منه. وكان لابن طفيل اثر في توجيه سياسة خلفاء عبد المؤمن. فلعب دورا كبيرا في بلاط ابي يعقوب. فجمع ابن طفيل الى بلاط الامير كثيرا من العلماء في كل فن ومن جميع الاقطار، منهم ابو الوليد بن رشد. وكان ابو يعقوب قد طلب يوما من ابن طفيل ان يرشده الى رجل خبير بكتب ارسطو، ليظهر له ما خفي عليه من معانيها، فهداه الى ابن رشد. ومما قاله ابن طفيل لابن رشد حينئذ:
«انك اقوى مني عزما، فعليك بكتب ارسطو، واعتقد انك ستأتي عليها لاني اعرف سمو عقلك، ووضوح فكرك وتجلدك. اما انا فان كبر سني واشتغالي بخدمة أمير المؤمنين، وصرف عنايتي، كل ذلك يمنعني من الاقدام على هذا الامر» .