فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 93

وانعم النظر في ذلك، وتثبت. فرأى انها تتفق ببعض الصفات، وتختلف ببعض، وانها من الجهة التي تتفق بها واحدة، ومن الجهة التي تختلف فيها متغايرة ومتكثرة. فكان تارة ينظر خصائص الأشياء وما ينفرد به بعضها عن بعض، فتكثر عنده كثرة تخرج عن الحصر، وينتشر له الوجود انتشارا لا يضبط.

لا حظ حي ايضا ان ذاته مع كثرة الاعضاء ووظائفها هي واحدة: الروح الحيواني واحد ولكن فعله يختلف باختلاف الاعضاء.

وكانت تتكثر عنده ايضا ذاته، لانه كان ينظر الى اختلاف اعضائه، وان كل واحد منها منفرد بفعل وصفة تخصه. وكان ينظر الى كل عضو منها، فيرى انه يحتمل القسمة الى اجزاء كثيرة جدا، فيحكم على ذاته بالكثرة، وكذلك على ذات كل شيء. ثم كان يرجع الى نظر آخر من طريق ثان، فيرى ان اعضاءه، وان كانت كثيرة، فهي متصلة كلها بعضها ببعض، لا انفصال بينها بوجه، فهي في حكم الواحد، وانها لا تختلف الا بحسب اختلاف افعالها، وان ذلك الاختلاف انما هو بسبب ما يصل اليها من قوة الروح الحيواني، الذي انتهى اليه نظره اولا، وان ذلك الروح واحد في ذاته، وهو ايضا حقيقة الذات، وسائر الاعضاء كلها كالآلات.

فكانت تتحد عنده ذاته بهذا الطريق.

ثم كان ينتقل الى جميع انواع الحيوان، فيرى كل شخص منها واحدا بهذا النوع من النظر. ثم كان ينظر الى نوع منها كالظباء، والخيل، والحمر، واصناف الطير صنفا صنفا،، فكان يرى اشخاص كل نوع يشبه بعضه بعضا في الاعضاء الظاهرة والباطنة، والادراكات، والحركات، والمنازع. ولا يرى بينها اختلافا الا في اشياء يسيرة بالاضافة الى ما اتفقت فيه.

وكان يحكم بان الروح الذي لجميع ذلك النوع شيء واحد، وانه لم يختلف

الا انه انقسم على قلوب كثيرة، وانه لو امكن ان يجمع جميع الذي افترق في تلك القلوب منه ويجعل في وعاء واحد، لكان كله شيئا واحدا، بمنزلة ماء واحد أو شراب واحد، يفرق على اوان كثيرة، ثم يجمع بعد ذلك. فهو في حالتي تفريقه وجمعه شيء واحد، وانما عرض له التكثر بوجه ما. فكان يرى النوع كله بهذا النظر واحدا، ويجعل كثرة اشخاصه بمنزلة كثرة اعضاء الشخص الواحد التي لم تكن كثيرة في الحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت