واذا ازمع على اعتقاد الحدوث، اعترضته عوارض اخرى، وذلك انه كان يرى
ان معنى حدوثه، بعد ان لم يكن، لا يفهم الا على معنى ان الزمان تقدمه، والزمان من جملة العالم وغير منفك عنه. فاذن لا يفهم تأخر العالم عن الزمان. وكذلك كان يقول: «اذا كان حادثا، فلا بد له من محدث. وهذا المحدث الذي احدثه، لم احدثه الآن ولم يحدثه قبل ذلك؟ الطارئ طرأ عليه، ولا شيء هناك غيره؟ ام لتغير حدث في ذاته؟ فان كان، فما الذي احدث ذلك التغير؟
وما زال يفكر في ذلك عدة سنين، فتتعارض عنده الحجج ولا يترجح عنده احد الاعتقادين على الآخر.
والا كان جسما فيدخل في نطاق العالم، فيكون حادثا ايضا، ويحتاج الى محدث.
فلما اعياه ذلك، جعل يتفكر ما الذي يلزم عن كل واحد من الاعتقادين، فلعل اللازم عنهما يكون شيئا واحدا. فرأى انه ان اعتقد حدوث العالم وخروجه الى الوجود بعد العدم، فاللازم عن ذلك ضرورة انه لا يمكن ان يخرج الى الوجود بنفسه، وانه لا بد له من فاعل يخرجه الى الوجود. وان ذلك الفاعل لا يمكن ان يدرك بشيء من الحواس، لانه لو ادرك بشيء من الحواس لكان جسما من الاجسام ولو كان جسما من الاجسام لكان من جملة العالم، وكان حادثا، واحتاج الى محدث. ولو كان ذلك المحدث الثاني ايضا جسما، لاحتاج الى محدث ثالث، والثالث الى رابع، ويتسلسل ذلك الى غير نهاية وهو باطل. فاذن لا بد للعالم من فاعل ليس بجسم.
فهو ليس بجسم: ولا يمكن تخيله. لا يوصف بصفات الاجسام. فاعل العالم عالم به قادر عليه
واذا لم يكن جسما فليس الى ادراكه بشيء من الحواس سبيل، لان الحواس الخمس لا تدرك الا الاجسام، او ما يلحق الاجسام. واذا كان لا يمكن ان يحسّ فلا يمكن ان يتخيل، لان التخيل ليس شيئا الا احضار صور المحسوسات بعد غيبها.
واذا لم يكن جسما، فصفات الاجسام كلها تستحيل عليه. واول صفات الاجسام هو الامتداد في الطول والعرض والعمق، وهو منزه عن ذلك، وعن جميع ما يتبع هذا الوصف من صفات الاجسام. واذا كان فاعلا للعالم، فهو لا محالة قادر عليه وعالم به «الا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير» (سورة الملك، آية 14) .