فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 93

اما الضرب الأول: فكان تشبهه بها فيه ان الزم نفسه ان لا يرى ذا حاجة او عاهة او مضرة، او ذا عائق من الحيوان او النبات، وهو يقدر على ازالتها عنه، الا ويزيلها. فمتى وقع بصره على نبات قد حجبه على الشمس حاجب، او تعلق به نبات آخر يؤذيه، او عطش عطشا يكاد يفسده، ازال عنه ذلك الحاجب

ان كان مما يزال وفصل بينه وبين ذلك المؤذي بفاصل لا يضرّ المؤذي وتعهده بالسقي ما امكنه. ومتى وقع بصره على حيوان قد ارهقه ضبع او نشب به ناشب، او تعلق على شوك، او سقط في عينيه او اذنيه شيء يؤذيه، او مسه ظمأ او جوع، تكفل بازالة ذلك كله عن جهده، واطعمه وسقاه.

ومتى وقع بصره على ماء يسيل الى سقي نبات او حيوان، وقد عاقه عن ممره عائق، من حجر سقط فيه، او جرف انهار عليه، ازال ذلك كله عنه. وما زال يمعن في هذا النوع من ضروب التشبه حتى بلغ فيه الغاية.

واما الضرب الثاني: فكان تشبهه بها فيه، ان الزم نفسه دوام الطهارة، وازالة الدنس والرجس عن جسمه، والاغتسال بالماء في اكثر الاوقات، وتنظيف اظفاره واسنانه ومغابن [1] بدنه، وتطييبها بما امكنه من طيب النبات وصنوف الدواهن العطرة، وتعهد لباسه بالتنظيف والتطييب، حتى كان يتلالأ حسنا وجمالا ونظافة وطيبا.

والتزم مع ذلك ضروب الحركة على الاستدارة: فتارة كان يطوف بالجزيرة، ويدور على ساحلها، ويسيح باكنافها. وتارة كان يطوف ببيته او ببعض الكدى [2]

ادوارا معدودة، اما مشيا، واما هرولة. وتارة يدور على نفسه حتى يغشى عليه.

واما الضرب الثالث: فكان تشبهه بها فيه ان كان يلازم الفكرة في ذلك الموجود الواجب الوجود، ثم يقطع علائق المحسوسات، ويغمض عينيه ويسد اذنيه، ويضرب جهده عن تتبع الخيال، ويروم بمبلغ طاقته ان لا يفكر في شيء سواه، ولا يشرك به احدا، ويستعين على ذلك بالاستدارة على نفسه والاستحثاث فيها. فكان اذا

(1) مغابن: الابط وكل مجمع قذارة في الجسم.

(2) الكدى: جمع كدية: الارض الصلبة الغليظة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت