فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 93

الماء الى تلك الاجمة. فكان المد لا ينتهي اليها. وكانت مسامير التابوت قد قلقت، والواحه قد اضطربت عند رمي الماء اياه في تلك الاجمة. فلما اشتد الجوع بذلك الطفل بكى واستغاث وعالج الحركة، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها [1] ، خرج من كناسه فحمله العقاب.

فلما سمعت الصوت ظنته ولدها. فتتبعت الصوت وهي تتخيل طلاها حتى وصلت الى التابوت. ففحصت عنه باظلافها وهو ينوء ويئن من داخله، حتى طار عن التابوت لوح من اعلاه. فحنّت الظبية وحنت عليه ورئمت به والقمته حلمتها، واروته لبنا سائغا. وما زالت تتعهده وتربيه وتدفع عنه الاذى.

هذا ما كان من ابتداء امره عند من ينكر التولد.

ونحن نصف هنا كيف انتقل في احواله، حتى بلغ المبلغ العظيم.

واما الذين زعموا انه تولد من الارض، فانهم قالوا ان بطنا من ارض تلك الجزيرة تخمرت فيه طينة على مرّ السنين والاعوام حتى امتزج فيها الحار بالبارد، والرطب باليابس، امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى، وكانت هذه الطينة المتخمرة كبيرة جدا، وكان بعضها يفضل بعضا في اعتدال المزاج والتهيؤ لتكوّن الامشاج [2] وكان الوسط منها اعدل ما فيها واتمه مشابهة بمزاج الانسان فتمخضت تلك الطينة وحدث فيها شبه نفخات الغليان لشدة لزوجتها. وحدث في الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جدا منقسمة بقسمين بينهما حجاب رقيق، ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية من الاعتدال اللائق به. فتعلق به عند ذلك الروح الذي هو «من امر الله» تعالى وتشبث به تشبثا يعسر انفصاله عنه عند الحس وعند العقل، اذ قد تبين ان هذا الروح دائم الفيضان من عند الله عزّ وجلّ وانه بمنزلة نور الشمس الذي هو دائم الفيضان على العالم.

(1) الطلا: ولد الظبي، والكناس: بيتهما.

(2) نطفة أمشاج: مختلطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت