ثم قال: «اما هذا البيت الايمن فلا أرى فيه غير هذا الدم المنعقد. ولا شك انه لم ينعقد حتى صار الجسد كله الى هذا الحال، اذ كان قد شاهد ان الدماء كلها متى سالت وخرجت انعقدت وجمدت، ولم يكن هذا الا دما كسائر الدماء. وانا ارى ان هذا الدم موجود في سائر الاعضاء، لا يختص به عضو دون آخر، وانا ليس
مطلوبي شيئا بهذه الصفة، انما مطلوبي الشيء الذي يختص به هذا الموضع الذي اجدني لا استغنى عنه طرفة عين، واليه كان انبعاثه من اول.
واما هذا الدم، فكم مرة جرحتني الوحوش والحجارة، فسال مني كثير منه، فما ضرني ذلك، ولا افقدني شيئا من افعالي. فهذا بيت ليس فيه مطلوبي. واما هذا البيت الايسر فأراه خاليا، لا شيء فيه. وما ارى ذلك لباطل. فان رأيت كل عضو من الاعضاء انما هو لفعل يختص به، فكيف يكون هذا البيت على ما شاهدت من شرفه باطلا؟ ما ارى الا ان مطلوبي كان فيه، فارتحل عنه واخلاه. وعند ذلك طرأ على هذا الجسد من العطلة ما طرأ، ففقد الادراك وعدم الحراك.
فلما رأى ان الساكن في ذلك البيت قد ارتحل قبل انهدامه، وتركه وهو بحاله، تحقق انه احرى ان لا يعود اليه بعد ان حدث فيه من الخراب والتخريق ما حدث.
احتقاره الجسد: يتساءل عن الشيء الذي ترك التجويف الايسر.
فصار عنده الجسد كله خسيسا، لا قدر له بالاضافة الى ذلك الشيء الذي اعتقد في نفسه انه يسكنه مدة ويرحل عنه بعد ذلك. فاقتصر على الفكرة في ذلك الشيء، ما هو؟ وكيف هو؟ وما الذي ربطه بهذا الجسد؟ والى اين صار؟ ومن اي الابواب خرج عند خروجه من الجسد؟ وما السبب الذي ازعجه ان كان خرج كارها؟ وما السبب الذي كرّه اليه الجسد حتى فارقه، ان كان خرج مختارا؟
وتشتّت فكره في ذلك كله، وسلا عن ذلك الجسد، وطرحه، وعلم ان امه التي عطفت عليه وارضعته، انما كانت ذلك الشيء المرتحل وعنه كانت تصدر تلك
الافعال كلها، لا هذا الجسد العاطل. وان هذا الجسد بجملته انما هو كالآلة لذلك، وبمنزلة العصا التي اتخذها هو لقتال الوحوش. فانتقلت علاقته عن الجسد الى صاحب الجسد ومحركه، ولم يبق له شوق الا اليه.