وتشتّت فكره في ذلك كله، وسلا عن ذلك الجسد، وطرحه، وعلم ان امه التي عطفت عليه وارضعته، انما كانت ذلك الشيء المرتحل وعنه كانت تصدر تلك
الافعال كلها، لا هذا الجسد العاطل. وان هذا الجسد بجملته انما هو كالآلة لذلك، وبمنزلة العصا التي اتخذها هو لقتال الوحوش. فانتقلت علاقته عن الجسد الى صاحب الجسد ومحركه، ولم يبق له شوق الا اليه.
وفي خلال ذلك نتن ذلك الجسد، وقامت منه روائح كريهة، فزادت نفرته عنه، وود ان لا يراه. ثم انه سنح لنظره غرابان يقتتلان، حتى صرع احدهما الآخر ميتا. ثم جعل الحي يبحث في الارض، حتى حفر حفرة، فوارى فيها ذلك الميت بالتراب. فقال في نفسه: «ما احسن ما صنع هذا الغراب في مواراة جيفة صاحبه، وان كان اساء في قتله اياه. وانا كنت احق بالاهتداء الى هذا الفعل بأمي» . فحفر حفرة وألقى فيها جسد امه، وحثا عليها التراب، وبقي يتفكر في ذلك الشيء المصرف للجسد ولا يدري ما هو.
غير انه كان ينظر الى اشخاص الظباء كلها فيراها على شكل امه، وعلى صورتها. فكان يغلب على ظنه ان كل واحد منها انما يحركه ويصرفه شيء هو مثل الشيء الذي كان يحرك امه ويصرفها. فكان يألف الظباء ويحن اليها لمكان ذلك الشبه.
وبقي على ذلك برهة من الزمان، يتصفح انواع الحيوان والنبات، ويطوف بساحل تلك الجزيرة، ويتطلب هل يرى او يجد لنفسه شبيها حسبما يرى لكل واحد من اشخاص الحيوان والنبات اشباها كثيرة. فلا يجد شيئا من ذلك. وكان يرى البحر قد احدق بالجزيرة من كل جهة، فيعتقد انه ليس في الوجود سوى جزيرته تلك.
(1) قارن بين ذلك وما جاء في القرآن سورة 5آية 30وما بعدها: « {فَبَعَثَ اللََّهُ غُرََابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوََارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ. قََالَ يََا وَيْلَتى ََ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هََذَا الْغُرََابِ فَأُوََارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النََّادِمِينَ} » .