فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 93

فلما تبين له ان كمال ذاته ولذتها انما هو بمساعدة ذلك الموجود الواجب الوجود

على الدوام، مشاهدة بالفعل ابدا، حتى لا يعرض عنه طرفة عين، لكي توافيه منيته وهو في حال المشاهدة بالفعل، فتتصل لذته دون ان يتخللها ألم.

واليه اشار الجنيد، شيخ الصوفية وامامهم، عند موته بقوله لاصحابه: «هذا وقت يؤخذ منه: الله اكبر واحرم الصلاة.

ثم جعل يتفكر كيف يتأتى له دوام المشاهدة بالفعل، حتى لا يقع منه اعراض فكان يلازم الفكرة في ذلك الموجود كل ساعة. فما هو الا ان يسنح لبصره محسوس ما من المحسوسات، او يخرق سمعه صوت بعض الحيوان، او يعترضه خيال من الخيالات، او يناله ألم في احد اعضائه، او يصيبه الجوع او العطش، او البرد او الحر، او يحتاج الى القيام لدفع فضوله، فتختل فكرته، ويزول عما كان فيه، ويتعذر عليه الرجوع الى ما كان عليه من حال المشاهدة الا بعد جهد. وكان يخاف ان تفجأه منيته وهو في حال الاعراض، فيفضي الى الشقاء الدائم وألم الحجاب. فساءه حاله ذلك واعياه الدواء.

الحيوانات لا تسعى وراء واجب الوجود: هي صائرة الى العدم

فجعل يتصفح انواع الحيوانات كلها، وينظر افعالها، وما تسعى فيه، لعله ينظر في بعضها انها شعرت بهذا الموجود، وجعلت تسعى نحوه فيتعلم منها ما يكون سبب نجاته. فرآها كلها انما تسعى في تحصيل غذائها ومقتضى شهواتها من المطعوم والمشروب والمنكوح والاستظلال والاستدفاء، وتجد في ذلك ليلها ونهارها، الى حين مماتها وانقضاء مدتها. ولم ير شيئا منها ينحرف عن هذا الرأي ولا يسعى لغيره في وقت من الاوقات. فبان له بذلك انها لم تشعر بذلك الموجود ولا اشتاقت اليه، ولا تعرفت به بوجه من الوجوه وانها كلها صائرة الى العدم، او الى حال شبيه بالعدم.

فلما حكم بذلك على الحيوان، علم ان الحكم له على النبات اولى، اذ ليس للنبات من الادراكات الا بعض ما للحيوان.

وكذلك حال النبات: نفس الحيوان ونفس النبات لا تخلدان

واذا كان الاكمل ادراكا لم يصل الى هذه المعرفة، فالانقص ادراكا احرى ان لا يصل، مع انه رأى ايضا ان افعال النبات كلها لا تتعدى الغذاء والتوليد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت