اما صفات الايجاب، فلما علم انها كلها راجعة الى حقيقة ذاته، وانه لا كثرة فيها بوجه من الوجوه، اذ الكثرة من صفات الاجسام وعلم ان علمه بذاته ليس معنى زائدا على ذاته، بل ذاته هي علمه بذاته، وعلمه بذاته هو ذاته تبين له انه، ان امكنه هو ان يعلم ذاته، فليس ذلك العلم الذي علم به ذاته معنى زائدا
على ذاته، بل هو هو. فرأى ان التشبه به في صفات الايجاب، هو ان يعلمه فقط دون ان يشرك بذلك شيئا من صفات الاجسام. فأخذ نفسه بذلك.
واما صفات السلب، فانها كلها راجعة الى التنزه عن الجسمية. فجعل يطرح اوصاف الجسمية عن ذاته. وكان قد اطرح منها كثيرا في رياضته المتقدمة، التي كان ينحو بها التشبه بالاجسام السماوية. الا انه ابقى منها بقايا كثيرة، كحركة الاستدارة والحركة من اخص صفات الاجسام وكالاعتناء بأمر الحيوان والنبات، والرحمة لها، والاهتمام بازالة عوائقها. فان هذه ايضا من صفات الاجسام، اذ لا يراها اولا الا بقوة جسمانية. ثم يكدح في امرها بقوة جسمانية ايضا. فأخذ في طرح ذلك كله عن نفسه، اذ هي بجملتها مما لا يليق بهذه الحالة التي يطلبها الآن. وما زال يقتصر على السكون في قصر مغارته مطرقا، غاضا بصره، معرضا عن جميع المحسوسات والقوى الجسمانية، مجتمع الهم والفكرة في الموجود الواجب الوجود وحده دون شركة. فمتى سنح لخياله سانح سواه، طرده عن خياله جهده، ودافعه وراض نفسه على ذلك، ودأب فيه مدة طويلة، بحيث تمرّ عليه عدة ايام لا يتغذى فيها، ولا يتحرك.
يلاحظ استخدامه للفظ «الحق» وهو لفظ صوفي. فناؤه عن نفسه، بعد ما فني عن كل شيء الا نفسه. لا يستطيع الصوفي ان يصف حالة الفناء هذه.
وفي خلال شدة مجاهدته هذه، ربما كانت تغيب عن ذكره وفكره جميع الذوات الا ذاته فانها كانت لا تغيب عنه في وقت استغراقه بمشاهدة الموجود الأول الحق الواجب الوجود. فكان يسوءه ذلك، ويعلم انه شوب في المشاهدة المحضة، وشركة في الملاحظة. وما زال يطلب الفناء عن نفسه، والاخلاص في مشاهدة الحق، حتى تأتى له ذلك، وغابت عن ذكره وفكره السماوات والارض وما بينهما وجميع الصور الروحانية والقوى الجسمانية، وجميع القوى المفارقة للمواد، والتي هي الذوات العارفة بالموجود وغابت ذاته في جملة تلك الذوات، وتلاشى الكل واضمحل، وصار هباء منثورا ولم يبق الا الواحد الحق الموجود الثابت الوجود. وهو يقول بقوله الذي ليس معنى زائدا على ذاته: «لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار» [1] . ففهم كلامه وسمع نداءه، ولم يمنعه عن فهمه كونه لا يعرف الكلام ولا يتكلم. واستغرق في حالته
(1) قرآن كريم سورة ابراهيم الآية 48