ووجد ما تدعو اليه الضرورة في بقاء هذا الروح امرين:
احدهما: ما يمده به من داخل، ويخلف عليه بدل ما يتحلل منه، وهو الغذاء.
والآخر: ما يقيه من خارج، ويدفع عنه وجوه الاذى، من البرد والحر والمطر ولفح الشمس والحيوانات المؤذية، ونحو ذلك. ورأى انه ان تناول ضرورية من هذه جزافا كيفما اتفق، ربما وقع في السرف واخذ فوق الكفاية. فكان سعيه على نفسه من حيث لا يشعر. فرأى ان الحزم له ان يفرض لنفسه فيها حدودا لا يتعداها، ومقادير لا يتجاوزها.
وبان له ان الفرض يجب ان يكون في جنس ما يتغذى به، واي شيء يكون، وفي مقداره، وفي المدة التي تكون بين العودات اليه.
فنظر اولا في اجناس ما به يتغذى، فرآها ثلاثة اضرب:
1 -اما نبات لم يكمل بعد نضجه ولم ينته الى غاية تمامه، وهي اصناف البقول الرطبة التي يمكن الاغتذاء بها.
2 -واما ثمرات النبات الذي قد تم وتناهى واخرج بزره ليتكون منه آخر من نوعه حفظا له، وهي اصناف الفواكه رطبها ويابسها.
3 -واما حيوان من الحيوانات التي يتغذى بها، اما البرية واما البحرية.
وكان قد صحّ عنده ان هذه الاجناس كلها من فعل ذلك الموجود الواجب الوجود، الذي تبين له ان سعادته في القرب منه، وطلب التشبيه به ولا محالة ان الاغتذاء بها مما يقطعها عن كمالها، ويحول بينها وبين الغاية القصوى المقصودة بها. فكان ذلك اعتراض على فعل الفاعل. وهذا الاعتراض مضاد لما يطلبه من القرب منه والتشبه به فرأى ان الصواب كان له، لو امكن ان يمتنع عن الغذاء جملة واحدة. لكنه لما لم يمكنه ذلك، ورأى انه ان امتنع عنه، آل ذلك الى فساد جسمه، فيكون ذلك اعتراضا على فاعله اشد من الأول، اذ هو اشرف من تلك الأشياء الاخر التي يكون فسادها سببا لبقائه. فاستسهل ايسر الضررين، وتسامح في اخف الاعتراضين، ورأى ان يأخذ من هذه الاجناس، اذا عدمت، ايها تيسر له، بالقدر الذي يتبين له بعد هذا.