وفي خلال ذلك ترعرع واربى على السبع سنين، وطال به العناء في تجديد الاوراق التي كان يستتر بها.
فكانت نفسه عند ذلك تنتزعه الى اتخاذ ذنب من اذناب الوحوش الميتة، ليعلقه على نفسه. الا انه كان يرى احياء الوحوش تتحامى ميتها، وتفرّ عنه، فلا يتأتى له الاقدام على ذلك الفعل الى ان صادف في بعض الايام نسرا ميتا فهدي الى نيل امله منه، واغتنم الفرصة فيه، اذ لم ير للوحوش عنه نفرة، فأقدم عليه، وقطع جناحيه وذنبه صحاحا كما هي، وفتح ريشها وسواها، وسلخ عنه سائر جلده، وفصله على قطعتين: ربط احداهما على ظهره، والاخرى على سرّته وما تحتها، وعلّق الذنب من خلفه، وعلق الجناحين على عضديه، فأكسبه ذلك سترا ودفئا ومهابة في نفوس جميع الوحوش، حتى كانت لا تنازعه ولا تعارضه.
فصار لا يدنو اليه شيء منها، سوى الظبية التي كانت ارضعته وربته. فانها لم تفارقه ولا فارقها الى ان اسنت وضعفت، فكان يرتاد بها المراعي الخصبة، ويجتني لها الثمرات الحلوة ويطعمها.
وما زال الهزال والضعف يستولي عليها ويتوالى، الى ان ادركها الموت، فسكنت حركاتها بالجملة، وتعطلت جميع افعالها. فلما رآها الصبي على تلك الحالة، جزع جزعا شديدا، وكادت نفسه تفيض أسفا عليها. فكان يناديها بالصوت الذي كانت عادتها ان تجيبه عند سماعه، ويصيح بأشد ما يقدر عليه، فلا يرى لها عند ذلك حركة ولا تغييرا.
فكان ينظر الى اذنيها والى عينيها، فلا يرى بها آفة ظاهرة، وكذلك كان ينظر الى جميع اعضائها فلا يرى بشيء منها آفة. فكان يطمع ان يعثر على موضع الآفة فيزيلها عنها، فترجع الى ما كانت عليه، فلم يتأت له شيء من ذلك، ولا استطاعه. وكان الذي ارشده لهذا الرأي ما كان قد اعتبره في نفسه قبل ذلك، لانه كان يرى انه اذا غمّض عينيه، او حجبهما بشيء، لا يبصر شيئا، حتى يزول ذلك العائق.
وكذلك كان يرى انه اذا ادخل اصبعيه في اذنيه وسدهما، لا يسمع شيئا حتى يزول ذلك العارض. واذا امسك انفه بيده، لا يشم من الروائح شيئا حتى يفتح انفه.