فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 93

فمن الاجسام ما لا يستضاء به، وهو الهواء الشفاف جدا، ومنها ما يستضاء به بعض الاستضاءة، وهي الاجسام الكثيفة غير الصقيلة، وهذه تختلف في قبول الضياء، وتختلف بحسب ذلك الوانها. ومنها ما يستضاء به غاية الاستضاءة، وهي الاجسام الصقيلة، كالمرآة ونحوها.

فاذا كانت هذه المرآة مقعرة، على شكل مخصوص، حدثت فيها النار لافراط الضياء. وكذلك الروح الذي هو «من امر» [1] الله تعالى، فياض ابدا على جميع الموجودات. فمنها ما لا يظهر اثره فيه لعدم الاستعداد، وهي الجمادات التي لا حياة لها، وهذه بمنزلة الهواء في المثال المتقدم. ومنها ما يظهر اثره فيه، وهي انواع النبات بحسب استعداداتها. وهذه بمنزلة الاجسام الكثيفة في المثال المتقدم. ومنها ما يظهر اثره ظهورا كثيرا، وهي انواع الحيوان، وهذه بمنزلة الاجسام الصقيلة في المثال المتقدم.

ومن هذه الاجسام الصقيلة ما يزيد على شدة قبوله لضياء الشمس، انه يحكي صورة الشمس ومثالها. وكذلك ايضا من الحيوان ما يزيد على شدة قبوله للروح، انه يحكي الروح ويتصور بصورته، وهو الانسان خاصة. واليه الاشارة بقوله (صلعم) :

«ان الله خلق آدم على صورته» [2] . فان قويت فيه هذه الصورة حتى تتلاشى جميع الصور في حقها، وتبقى هي وحدها، وتحرق سبحات نورها كل ما ادركته، كانت حينئذ بمنزلة المرآة المنعكسة على نفسها، المحرقة لسواها. وهذا لا يكون الا للانبياء صلوات الله عليهم اجمعين. وهذا كله مبين في مواضعه اللائقة به.

فليرجع الى تمام ما حكوه من وصف ذلك التخلق.

قالوا: فلما تعلق هذا الروح بتلك القرارة، خضعت له جميع القوى، وسجدت له، وسخرت بأمر الله تعالى في كمالها، فتكوّن بإزاء تلك القرارة نفّاخة اخرى منقسمة

(1) الآية: { «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَمََا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلََّا قَلِيلًا» }

قرآن: سورة 17، آية 85.

(2) هذه الجملة من حديث اخرجه البخاري عن ابي هريرة (العيني ج 10ص 471) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت