فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 93

الولاية، فهذا مما لا يمكن اثباته على حقيقة امره في كتاب. ومتى حاول احد ذلك وتكلفه بالقول او الكتب، استحالت حقيقته، وصار من قبيل القسم الآخر النظري، لانه اذا كسى الحروف والاصوات، وقرب من عالم الشهادة، لم يبق على ما كان عليه بوجه ولا حال، واختلفت العبارات فيه اختلافا كثيرا، وزلت به اقدام قوم عن الصراط المستقيم، وظن بآخرين ان اقدامهم زلّت وهي لم تزل، وانما كان ذلك لانه امر لا نهاية له في حضرة متسعة الاكناف، محيطة غير محاط بها.

2 -والغرض الثاني من الغرضين اللذين قلنا ان سؤالك لن يتعدى احدهما، هو ان تبتغي التعريف بهذا الامر على طريقة اهل النظر. وهذا اكرمك الله بولايته شيء يحتمل ان يوضع في الكتب وتتصرف به العبارات، ولكنه اعدم من الكبريت الاحمر، ولا سيما في هذا الصقع [1] الذي نحن فيه، لانه من الغرابة في حد لا يظفر باليسير منه الا الفرد بعد الفرد. ومن ظفر بشيء منه لم يكلم الناس الا رمزا. فان الملة الحنيفة والشريعة المحمدية قد منعت من الخوض فيه، وحذرت عنه.

ولا تظنن ان الفلسفة التي وصلت الينا في كتب ارسطوطاليس، وابي نصر [2] ، وفي كتاب «الشفاء» [3] تفي بهذا الغرض الذي اردته، ولا ان احدا من اهل الاندلس كتب فيه شيئا فيه كفاية، وذلك ان من نشأ بالاندلس من اهل الفطرة الفائقة قبل شيوع علم المنطق والفلسفة فيها قطعوا اعمارهم بعلوم التعاليم [4] ، وبلغوا فيها مبلغا رفيعا، ولم يقدر على اكثر من ذلك. ثم خلف من بعدهم خلف زادوا عليهم بشيء من علم المنطق، فنظروا فيه ولم يفض بهم الى حقيقة الكمال، فكان فيهم من قال:

برّح بي أنّ علم الورى ... اثنان ما إن فيهما من مزيد

حقيقة يعجز تحصيلها ... وباطل تحصيله ما يفيد

(1) هذا الصقع: يريد بلاد الاندلس.

(2) ابو نصر هو الفارابي.

(3) كتاب لابن سينا، شامل لفلسفته، وله ملخص يعرف بعنوان «النجاة» .

(4) علوم التعاليم: العلوم التجريبية التي تتطلب مشاهدة واختبارا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت