فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 93

وكان عند آسال بقية من زاد كان قد استصحبه من الجزيرة المعمورة. فقربه الى

حي بن يقظان، فلم يدر ما هو، لانه لم يكن شاهده قبل ذلك. فأكل منه آسال واشار اليه ليأكل. ففكر حي بن يقظان فيما كان عقد على نفسه من الشروط في تناول الغذاء ولم يدر اصل ذلك الشيء الّذي قدم له: ما هو، وهل يجوز له تناوله ام لا؟ فامتنع عن الأكل. ولم يزل آسال يرغب اليه ويستعطفه. وقد كان اولع به حي بن يقظان، فخشي ان دام على امتناعه ان يوحشه فأقدم على ذلك الزاد وأكل منه.

فلما ذاقه واستطابه بدا له سوء ما صنع من نقض عهوده في شرط الغذاء، وندم على فعله، واراد الانفصال عن آسال، والاقبال على شأنه من طلب الرجوع الى مقامه الكريم. فلم تتأت له المشاهدة بسرعة. فرأى ان يقيم مع آسال في عالم الحس، يقف على حقيقة شأنه، ولا يبقى في نفسه نزوع اليه وينصرف بعد ذلك الى مقامه دون ان يشغله شاغل. فالتزم صحبة آسال. ولما رأى آسال ايضا انه لا يتكلم، امن من غوائله على دينه، ورجا ان يعلمه الكلام والعلم والدين فيكون له بذلك اعظم اجر وزلفى عند الله. فشرع آسال في تعليمه الكلام اولا، بان كان يشير له الى اعيان الموجودات، وينطق باسمائها، ويكرر ذلك عليه، ويحمله على النطق فينطق بها مقترنا بالاشارة حتى علمه الاسماء كلها، ودرجه قليلا قليلا حتى تكلم في اقرب مدة. فجعل آسال يسأله عن شأنه، ومن اين صار الى تلك الجزيرة. فاعلمه حي بن يقظان انه لا يدري لنفسه ابتداء، ولا ابا ولا اما، اكثر من الظبية التي ربته.

ووصف له شأنه كله، وكيف ترقى بالمعرفة، حتى انتهى الى درجة الوصول.

فلما سمع آسال منه وصف تلك الحقائق، والذوات المفارقة لعالم الحس، العارفة بذات الحق عز وجل ووصفه ذات الحق تعالى وجل، باوصافه الحسنى، ووصف له ما امكنه وصفه مما شاهده عند الوصول من لذات الواصلين وآلام المحجوبين، لم يشك آسال في ان جميع الأشياء التي وردت في شريعته من امر الله عز وجل، وملائكته

وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، هي امثلة هذه التي شاهدها حي ابن يقظان. فانفتح بصر قلبه، وانقدحت نار خاطره، وتطابق عنده المعقول والمنقول، وقربت عليه طرق التأويل، ولم يبق عليه مشكل في الشرع الا تبين له، ولا مغلق الا انفتح، ولا غامض الا اتضح. وصار من أولي الالباب. وعند ذلك نظر الى حي بن يقظان بعين التعظيم والتوقير. وتحقق عنده انه من اولياء الله الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت