ثم تحركت في نفسه الشهوة للبحث عن سائر اعضاء الحيوان وترتيبها واوضاعها
وكمياتها وكيفية ارتباط بعضها ببعض وكيف تستمد من هذا البخار الحار حتى تستمر لها الحياة به، وكيف بقاء هذا البخار المدة التي يبقى، ومن اين يستمد، وكيف لا تنفد حرارته؟
الروح توحّد بين مختلف الاعضاء وذلك من البراهين التي ذكرها ابن سينا على ان النفس توحد بين مختلف اعضاء البدن.
فتتبع ذلك كله بتشريح الحيوانات الاحياء والاموات. ولم يزل ينعم النظر فيها، ويجيد الفكرة، حتى بلغ في ذلك كله مبلغ كبار الطبيعيين. فتبين له ان كل شخص من اشخاص الحيوان، وان كان كثيرا باعضائه وتفنن حواسه وحركاته، فانه واحد بذلك الروح الذي مبدؤه من قرار واحد، وانقسامه في سائر الاعضاء منبعث منه.
وان جميع الاعضاء انما هي خادمة له، او مؤدية عنه، وان منزلة ذلك الروح في تصريف الجسد كمنزلة من يحارب الاعداء بالسلاح التام، ويصيد جميع صيد البحر والبر، فيعد لكل جنس آلة يصيده بها، والتي حارب بها تنقسم الى ما يدفع به نكاية غيره، والى ما ينكس بها غيره.
وكذلك آلات الصيد، تنقسم الى ما يصلح لحيوان البحر، والى ما يصلح لحيوان البر. وكذلك الأشياء التي يشرح بها، تنقسم الى ما يصلح للشق والى ما يصلح للكسر والى ما يصلح للثقب. والبدن واحد، وهو يصرف ذلك انحاء من التصريف بحسب ما تصلح له كل آلة، وبحسب الغايات التي تلتمس بذلك التصريف. كذلك، ذلك الروح الحيواني واحد، واذا عمل بآلة العين كان فعله ابصارا، واذا عمل بآلة الانف كان فعله شما، واذا عمل بآلة اللسان كان فعله ذوقا، واذا عمل بالجلد واللحم كان فعله لمسا، واذا عمل بالعضو كان فعله حركة، واذا عمل بالكبد كان فعله غذاء واغتذاء