وقد كان تبين له ان الموجود الواجب الوجود متصف باوصاف الكمال كلها، ومنزه عن صفات النقص وبريء منها وتبين له ان الشيء الذي به يتوصل الى ادراكه امر لا يشبه الاجسام، ولا يفسد لفسادها فظهر له بذلك ان من كانت له مثل هذه الذات، المعدة لمثل هذا الادراك، فانه اذا اطرح البدن بالموت، فاما ان يكون قبل ذلك في مدة تصريفه للبدن لم يتعرف قط بهذا الموجود الواجب الوجود، ولا اتصل به، ولا سمع عنه، فهذا اذا فارق البدن لا يشتاق الى ذلك الموجود، ولا يتألم لفقده.
واما جميع القوى الجسمانية فانها تبطل ببطلان الجسم، فلا تشتاق ايضا الى مقتضيات تلك القوى، ولا تحن اليها، ولا تتألم بفقدها. وهذه حال البهائم غير الناطقة كلها، سواء كانت من صورة الانسان او لم تكن.
الشقاء: من ادرك واجب الوجود واعرض عنه يحرم المشاهدة، وفي ذلك عذاب له (الانفس الفاسقة عند الفارابي)
واما ان يكون قبل ذلك في مدة تصريفه للبدن وقد تعرف بهذا الموجود وعلم ما هو عليه من الكمال والعظمة والسلطان والقدرة والحسن، الا انه اعرض عنه، واتبع هواه، حتى وافته منيته وهو على تلك الحال فيحرم المشاهدة، وعنده الشوق اليها. فيبقى في عذاب طويل وآلام لا نهاية لها. فاما ان يتخلص من تلك الآلام بعد جهد طويل، ويشاهد ما تشوق اليه قبل ذلك واما ان يبقى في آلامه، بقاء سرمديا بحسب استعداده لكل واحد من الوجهين في حياته الجسمانية.
السعادة: شرطها الاشتياق الى واجب الوجود والسعادة تكون بمشاهدته.
واما من تعرف بهذا الموجود الواجب الوجود، قبل ان يفارق البدن، واقبل بكليته عليه، والتزم الفكرة في جلاله وحسنه وبهائه، ولم يعرض عنه حتى وافته منيته، وهذا على حال من الاقبال والمشاهدة بالفعل، فهذا اذا فارق البدن بقي في لذة لا نهاية لها، وغبطة وسرور وفرح دائم، لاتصال مشاهدته لذلك الموجود الواجب الوجود وسلامة تلك المشاهدة من الكدر والشوائب ويزول عنه ما تقتضيه هذه القوى الجسمانية من الامور الحسية التي هي بالاضافة الى تلك الحال آلام وشرور وعوائق.
مشاهدة واجب الوجود: التشبهات الثلاثة
فلما تبين له ان كمال ذاته ولذتها انما هو بمساعدة ذلك الموجود الواجب الوجود
على الدوام، مشاهدة بالفعل ابدا، حتى لا يعرض عنه طرفة عين، لكي توافيه منيته وهو في حال المشاهدة بالفعل، فتتصل لذته دون ان يتخللها ألم.