فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 93

وكانا يتفقهان في بعض الاوقات فيما ورد من الفاظ تلك الشريعة في صفة الله عز وجل وملائكته، وصفات المعاد والثواب والعقاب. فأما آسال، فكان اشد غوصا على الباطن، واكثر عثورا على المعاني الروحانية، واطمع في التأويل. واما سلامان صاحبه، فكان اكثر احتفاظا بالظاهر، واشد بعدا عن التأويل، واوقف عن التصرف والتأمل. وكلاهما مجد في الاعمال الظاهرة، ومحاسبة النفس، ومجاهدة الهوى. وكان في تلك الشريعة اقوال تحمل على العزلة والانفراد، وتدل على ان الفوز والنجاة فيهما واقوال أخر تحمل على المعاشرة، وملازمة الجماعة.

فتعلق آسال بطلب العزلة، ورجح القول فيها، لما كان في طباعه من دوام الفكرة، وملازمة العبرة، والغوص على المعاني. واكثر ما كان يتأتى له امله من ذلك بالانفراد.

وتعلق سلامان بملازمة الجماعة، ورجح القول فيها، لما كان في طباعه من الجبن عن الفكرة والتصرف. فكانت ملازمته الجماعة عنده مما يدرأ الوسواس، ويزيل الظنون المعترضة، ويعيذ من همزات الشياطين.

وكان اختلافهما في هذا الرأي سبب افتراقهما.

وكان آسال قد سمع عن الجزيرة التي ذكر ان حي بن يقظان تكوّن بها وعرف ما بها من الخصب والمرافق والهواء المعتدل وان الانفراد بها يتأتى لملتمسه. فأجمع على ان يرتحل اليها ويعتزل الناس بها بقية عمره. فجمع ما كان له من المال، واكترى ببعضه مركبا تحمله الى تلك الجزيرة، وفرق باقيه على المساكين، وودع صاحبه سلامان، وركب متن البحر. فحمله الملاحون الى تلك الجزيرة، ووضعوه بساحلها وانفصلوا عنها.

فبقي آسال بتلك الجزيرة يعبد الله عز وجل ويعظمه ويقدسه، ويفكر في اسمائه الحسنى، وصفاته العليا فلا ينقطع خاطره ولا تتكدر فكرته. واذا احتاج الى الغذاء تناول من ثمرات تلك الجزيرة وصيدها ما يسد به جوعته. واقام على تلك الحال مدة هو في اتم غبطة، واعظم انس، بمناجاة ربه. وكان كل يوم يشاهد من الطافه ومزايا تحفه، وتيسيره عليه في مطلبه وغذائه، ما يثبت يقينه، ويقر عينه.

وكان في تلك المدة حي بن يقظان شديد الاستغراق في مقاماته الكريمة. فكان لا يبرح عن مغارته الا مرة في الاسبوع لتناول ما سنح من الغذاء. فلذلك لم يعثر عليه آسال بأول وهلة، بل كان يتطوف باكناف تلك الجزيرة، ويسيح في ارجائها، فلا يرى انسيا، ولا يشاهد اثرا. فيزيد بذلك انسه وتنبسط نفسه، لما كان قد عزم عليه من التناهي في طلب العزلة والانفراد الى ان اتفق في بعض تلك الاوقات ان خرج حي بن يقظان لالتماس غذائه، وآسال قد ألم بتلك الجهة. فوقع بصر كل واحد منهما على الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت