فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 93

هل العالم حادث ام قديم؟ الفلك بجملته شيء واحد متصل بعضه ببعض: هو بمثابة حيوان كبير

فلما انتهى الى هذه المعرفة، ووقف على ان الفلك بجملته وما يحتوي عليه، كشيء واحد متصل بعضه ببعض، وان جميع الاجسام التي كان ينظر فيها اولا، كالارض والماء والهواء والنبات والحيوان وما شاكلها، هي كلها في ضمنه وغير خارجة عنه، وانه كله اشبه شيء بشخص من اشخاص الحيوان، وما فيه من الكواكب المنيرة هي بمنزلة حواس الحيوان وما فيه من ضروب الافلاك، المتصل بعضها ببعض، هي بمنزلة اعضاء الحيوان وما في داخله من عالم الكون والفساد هي بمنزلة ما في جوف الحيوان من اصناف الفضول والرطوبات، التي كثيرا ما يتكون فيها ايضا حيوان، كما يتكون في العالم الاكبر.

فلما تبين له انه كله كشخص واحد في الحقيقة، قائم محتاج الى فاعل مختار، واتحدت عنده اجزاؤه الكثيرة، بنوع من النظر الذي اتحدت به عنده الاجسام التي في عالم الكون والفساد، تفكر في العالم بجملته، هل هو شيء حدث بعد ان لم يكن، وخرج الى الوجود بعد العدم؟ او هو امر كان موجودا فيما سلف، ولم يسبقه العدم بوجه من الوجوه؟ فتشكك في ذلك، ولم يترجح عنده احد الحكمين على الآخر.

وذلك انه كان اذا ازمع على اعتقاد القدم، اعترضته عوارض كثيرة، من استحالة وجود ما لا نهاية له، بمثل القياس الذي استحال عنده به وجود جسم لا نهاية له. وكذلك كان يرى ان هذا الوجود لا يخلو من الحوادث، فهو لا يمكن تقدمه عليها، وما لا يمكن ان يتقدم على الحوادث، فهو ايضا محدث.

اعتراضات ضد القول بالحدوث وهي اقوى من الاولى:

مما يدل على الميل الى القول بالقدم. اذا كان لهذا العالم محدث قديم لما يحدثه الآن ولم يحدثه معه منذ الازل؟

واذا ازمع على اعتقاد الحدوث، اعترضته عوارض اخرى، وذلك انه كان يرى

ان معنى حدوثه، بعد ان لم يكن، لا يفهم الا على معنى ان الزمان تقدمه، والزمان من جملة العالم وغير منفك عنه. فاذن لا يفهم تأخر العالم عن الزمان. وكذلك كان يقول: «اذا كان حادثا، فلا بد له من محدث. وهذا المحدث الذي احدثه، لم احدثه الآن ولم يحدثه قبل ذلك؟ الطارئ طرأ عليه، ولا شيء هناك غيره؟ ام لتغير حدث في ذاته؟ فان كان، فما الذي احدث ذلك التغير؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت