وانظر الى قول ابي بكر بن الصائغ [1] ، المتصل كلامه في صفة الاتصال، فانه يقول: «اذا فهم المعنى المقصود من كتابه ذلك، ظهر عند ذلك انه لا يمكن ان يكون معلوم من العلوم المتعاطاة في رتبة، وحصل متصوره، يفهم ذلك المعنى في رتبة يرى نفسه فيها مباينا لجميع ما تقدم مع اعتقادات أخر ليست هيولانية، وهي اجلّ من ان تنسب الى الحياة الطبيعية، بل هي احوال من احوال السعداء، منزهة عن تركيب الحياة الطبيعية، بل هي احوال من احوال السعداء، خليقة ان يقال لها احوال إلهية يهبها الله، سبحانه وتعالى، لمن يشاء من عباده.
وهذه الرتبة التي اشار اليها ابو بكر ينتهى اليها بطريق العلم النظري والبحث الفكري. ولا شك انه بلغها ولم يتخطاها.
ابن سينا نبه على حال الوصول بقوله ان الصوفي الواصل يرى الحق في كل شيء ويعتبر نفسه مرآة للحق.
واما الرتبة التي اشرنا اليها نحن اوّلا، فهي غيرها، وان كانت اياها بمعنى انه لا ينكشف فيها امر على خلاف ما انكشف في هذه، وانما تغايرها بزيادة الوضوح، ومشاهدتها بأمر لا نسميه قوة الاعلى المجاز. اذ لا نجد في الالفاظ الجمهورية [2] ، ولا في الاصطلاحات الخاصة، اسماء تدل على الشيء الذي يشاهد به ذلك النوع من المشاهدة. وهذه الحال التي ذكرناها، وحركنا سؤالك الى ذوق منها، هي من جملة الاحوال التي نبه عليها الشيخ ابو علي، حيث يقول: «ثم اذا بلغت به الارادة والرياضة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق لذيذة كأنها بروق تومض اليه، ثم تخمد عنه، ثم انه تكثر عليه هذه الغواشي اذا امعن في الارتياض، ثم انه ليوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض. فكلما لمح شيئا عاد منه الى جنات القدس، فيذكر من امره امرا، فيغشاه غاش، فيكاد يرى الحق في كل شيء.
(1) ابو بكر بن الصائغ هو ابن باجه.
(2) الالفاظ الجمهورية هي التي يستعملها الجمهور، عامة الناس، وهم ايضا يعرفون بالخطابيين.
ثم انه لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينة». فيصير المخطوف مألوفا، والوميض شهابا بينا، وتحصل له معارفه مستقرة، كأنها صحبة مستمرة (1) «الى ما وصفه من تدريج المراتب، وانتهائها الى النيل بأن يصير سره مرآة مجلوة، يحاذى بها شطر الحق. وحينئذ تدر عليه اللذات العلى، ويفرح بنفسه لما (يرى) بها من اثر الحق، ويكون له من هذه الرتبة نظر الى الحق، ونظر الى نفسه، وهو بعد متردد. ثم انه ليغيب عن نفسه، فيلحظ جناب القدس فقط. وان لحظ نفسه، فمن حيث هي لاحظة، وهناك يحق الوصول» .