فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 93

فلما انتهى نظره الى هذا الحد، وفارق المحسوس بعض مفارقة، واشرق على تخوم العالم العقلي، استوحش وحنّ الى ما ألفه من عالم الحس. فتقهقر قليلا، وترك الجسم

على الاطلاق، اذ هذا الامر لا يدركه الحس، ولا يقدر على تناوله. واخذ ابسط الاجسام المحسوسة التي شاهدها، وهي تلك الأربعة التي كان قد وقف نظره عليها.

فأول ما نظر الى الماء. فرأى انه اذا خلي وما تقتضيه صورته، ظهر منه برد محسوس، وطلب النزول الى اسفل. فاذا سخن اولا، اما بالنار، واما بحرارة الشمس، زال عنه البرد اولا، وبقي فيه طلب النزول. فاذا افرط عليه بالتسخين، زال عنه طلب النزول الى اسفل، وصار يطلب الصعود الى فوق، فزال عنه بالجملة الوصفان اللذان كانا ابدا يصدران عنه وعن صورته، ولم يعرف من صورته اكثر من صدور هذين الفعلين عنها. فلما زال هذان الفعلان اذن بطل حكم الصورة، فزالت الصورة المائية عن ذلك الجسم، عند ما ظهرت منه افعال من شأنها ان تصدر عن صورة اخرى. وحدثت له صورة اخرى، بعد ان لم تكن، وصدر عنه بها افعال لم يكن من شأنها ان تصدر عنه، وهو بصورته الاولى.

فعلم بالضرورة ان كل حادث لا بد له من محدث. فارتسم في نفسه بهذا الاعتبار فاعل للصورة، ارتساما على العموم، دون تفضيل.

ثم انه تتبع الصور التي كان قد علمها قبل ذلك، صورة صورة، فرأى انها كلها حادثة، وانها لا بد لها من فاعل. ثم انه نظر الى ذوات الصور، فلم ير انها شيء اكثر من استعداد الجسم لان يصدر عنه ذلك الفعل، مثل الماء، فانه اذا افرط عليه التسخين، استعد للحركة الى فوق وصلح لها. فذلك الاستعداد هو صورته اذ ليس هاهنا الا جسم، واشياء تحس عنه، بعد ان لم تكن، مثل الكيفيات، والحركات وفاعل يحدثها بعد ان لم تكن. فصلوح الجسم لبعض الحركات دون بعض، هو استعداده بصورته. ولاح له مثل ذلك في جميع الصور. فتبين له ان الافعال الصادرة عنها ليست في الحقيقة لها، وانما هي لفاعل يفعل بها الافعال المنسوبة

اليها. وهذا المعنى الذي لاح له، هو قول رسول الله (صلعم) : «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به (1) » ، وفي محكم التنزيل: « {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ، وَلََكِنَّ اللََّهَ قَتَلَهُمْ، وَمََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ، وَلََكِنَّ اللََّهَ رَمى ََ} » (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت