فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 93

ثم كان يرجع الى انواع النبات على اختلافها، فيرى كل نوع منها تشبه اشخاصه بعضها بعضا في الاغصان، والورق، والزهر، والثمر، والافعال. فكان يقيسها بالحيوان، ويعلم ان لها شيئا واحدا اشتركت فيه، هو لها بمنزلة الروح للحيوان، وانها بذلك الشيء واحد. وكذلك كان ينظر الى جنس النبات كله، فيحكم باتحاده بحسب ما يراه من اتفاق فعله في انه يتغذى وينمو.

النبات والحيوان: فيما يتشابهان، وفيما يختلفان:

هما متفقان في الاغتذاء والنمو. الحيوان يزيد على النبات بالحس والحركة والادراك، هناك شيء من ذلك في النبات: تحول الزهرة الى جهة الشمس

ثم كان يجمع في نفسه جنس الحيوان وجنس النبات، فيراهما جميعا متفقين في الاغتذاء والنمو. الا ان الحيوان يزيد على النبات بفضل الحس والادراك والتحرك.

وربما ظهر في النبات شيء شبيه به، مثل تحول وجوه الزهر الى جهة الشمس، وتحرك عروقه الى جهة الغذاء، واشباه ذلك. فظهر له بهذا التأمل ان النبات والحيوان شيء واحد، بسبب شيء واحد مشترك بينهما، هو في احدهما اتم واكمل، وفي الآخر قد عاقه عائق. وان ذلك بمنزلة ماء واحد قسم قسمين: احدهما جامد والآخر سيال.

فيتحد عنده النبات والحيوان

الجماد: لاحظ التحول في الجماد: الماء مثلا يصير بخارا او جليدا. يمر الجماد بحالات عديدة وهو شيء واحد.

ثم ينظر الى الاجسام التي لا تحس ولا تتغذى ولا تنمو، من الحجارة، والتراب، والماء، والهواء، واللهب فيرى انها اجسام مقدر لها طول وعرض وعمق، وانها لا تختلف، الا ان بعضها ذو لون، وبعضها لا لون له، وبعضها حار، وبعضها بارد، ونحو ذلك من الاختلافات. وكان يرى ان الحار منها يصير باردا، والبارد يصير حارا.

وكان يرى الماء يصير بخارا، والبخار يصير ماء والأشياء المحترقة تصير جمرا ورمادا ولهيبا ودخانا والدخان اذا وافق في صعوده قبة حجر انعقد فيه، وصار بمنزلة سائر الأشياء الارضية. فيظهر له بهذا التأمل، ان جميعها شيء واحد في الحقيقة، وان لحقتها الكثرة بوجه عام. فذلك مثل ما لحقت الكثرة للحيوان والنبات.

ثم ينظر الى الشيء الذي اتحد به عنده النبات والحيوان، فيرى انه جسم ما مثل هذه الاجسام، له طول وعرض وعمق، وهو اما حار واما بارد، كواحد من هذه الاجسام التي تحس ولا تتغذى، وانما خالفها بافعاله التي تظهر عنه بالآلات الحيوانية والنباتية لا غير. ولعل تلك الافعال ليست ذاتية، وانما تسري اليه من شيء آخر،

ولو سرت الى هذه الاجسام الأخر لكانت مثله. فكان ينظر اليه بذاته مجردا عن هذه الافعال التي تظهر ببادئ الرأي انها صادرة عنه، فكان يرى انه ليس الا جسما من هذه الاجسام. فيظهر له بهذا التأمل ان الاجسام كلها شيء واحد: حيها وجمادها متحركها وساكنها. الا انه يظهر ان لبعضها افعالا بآلات، ولا يدري هل تلك الافعال ذاتية لها، او سارية اليها من غيرها. وكان في هذه الحال لا يرى شيئا غير الاجسام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت