فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 93

اشتد في الاستدارة غابت عنه جميع المحسوسات، وضعف الخيال، وسائر القوى التي تحتاج الى الآلات الجسمانية وقوي فعل ذاته، التي هي بريئة من الجسم. فكانت في بعض الاوقات فكرته تخلص عن الشوب، ويشاهد بها الموجود الواجب الوجود، ثم تكر عليه القوى الجسمانية فيفسد عليه حاله، وترده الى اسفل السافلين، فيعود من ذي قبل، فان لحقه ضعف يقطع به عن غرضه، تناول بعض الاغذية عن الشرائط المذكورة.

ثم انتقل الى شأنه من التشبه بالاجسام السماوية بالاضرب الثلاثة المذكورة ودأب على ذلك مدة، وهو يجاهد قواه الجسمانية وتجاهده، وينازعها وتنازعه في الاوقات التي يكون له عليها الظهور وتتخلص فكرته عن الشوب، يلوح له شيء من احوال اهل التشبه الثالث. ثم جعل يطلب التشبه الثالث، ويسعى في تحصيله. فينظر في صفات الموجود الواجب الوجود. وقد كان تبين له، اثناء نظره العلمي قبل الشروع في العمل، انها على ضربين: اما صفة ثبوت، كالعلم والقدرة والحكمة واما صفة سلب، كتنزهه عن الجسمانية ولواحقها، وما يتعلق بها، ولو على بعد.

وان صفات الثبوت يشترط فيها التنزيه، حتى لا يكون فيها شيء من صفات الاجسام التي من جملتها الكثرة، فلا تتكثر ذاته بهذه الصفات الثبوتية، ثم ترجع كلها الى معنى واحد هي حقيقة ذاته. فجعل يطلب كيف يتشبه به في كل واحد من هذين الضربين.

يرد جميع صفات الواجب الوجود (الله) الى ذاته:

فمثلا علم الله هو هو، وقدرته هي هو وهذا هو رأي المعتزلة في الصفات.

اما صفات الايجاب، فلما علم انها كلها راجعة الى حقيقة ذاته، وانه لا كثرة فيها بوجه من الوجوه، اذ الكثرة من صفات الاجسام وعلم ان علمه بذاته ليس معنى زائدا على ذاته، بل ذاته هي علمه بذاته، وعلمه بذاته هو ذاته تبين له انه، ان امكنه هو ان يعلم ذاته، فليس ذلك العلم الذي علم به ذاته معنى زائدا

على ذاته، بل هو هو. فرأى ان التشبه به في صفات الايجاب، هو ان يعلمه فقط دون ان يشرك بذلك شيئا من صفات الاجسام. فأخذ نفسه بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت