واذا كان الاكمل ادراكا لم يصل الى هذه المعرفة، فالانقص ادراكا احرى ان لا يصل، مع انه رأى ايضا ان افعال النبات كلها لا تتعدى الغذاء والتوليد.
ثم انه بعد ذلك نظر الى الكواكب والافلاك، فرآها كلها منتظمة الحركات، جارية على نسق ورآها شفافة ومضيئة، بعيدة عن قبول التغير والفساد. فحدس حدسا قويا ان لها ذوات سوى اجسامها تعرف ذلك الموجود الواجب الوجود وان تلك الذوات العارفة ليست باجسام، ولا منطبعة في اجسام، مثل ذاته هو، العارفة. وكيف لا يكون لها مثل تلك الذوات البريئة عن الجسمانية ويكون لمثله هو على ما به من الضعف وشدة الاحتياج الى الامور المحسوسة، وانه من جملة الاجسام الفاسدة؟ ومع ما به من النقص فلم يقعه ذلك عن ان تكون ذاته شيئا بريئا عن الاجسام، لا تفسد.
فتبين له بذلك ان الاجسام السماوية اولى بذلك. وعلم انها تعرف ذلك الموجود الواجب الوجود، وتشاهده على الدوام بالفعل لان العوائق التي قطعت به هو عن دوام المشاهدة من العوارض المحسوسة، لا يوجد مثلها للاجسام السماوية.
ثم انه تفكر: لم اختص هو من بين سائر انواع الحيوان بهذه الذات التي اشبه بها الاجسام السماوية، وقد كان تبين له اولا من امر العناصر، واستحالة بعضها الى بعض، وان جميع ما على وجه الارض، لا يبقى على صورته بل الكون والفساد متعاقبان عليه ابدا، وان اكثر هذه الاجسام مختلطة، مركبة من اشياء مضادة، ولذلك تؤول الى الفساد، وانه لا يوجد منها شيء صرفا، وما كان منها قريبا من ان يكون صرفا خالصا، لا شائبة فيه، فهو بعيد عن الفساد جدا، مثل جسد الذهب والياقوت وان الاجسام السماوية بسيطة صرفة، ولذلك هي بعيدة عن الفساد، والصور لا تتعاقب عليها.
وتبين له هنالك ان جميع الاجسام التي في عالم الكون والفساد منها ما تقوم حقيقتها بصورة واحدة زائدة على معنى الجسمية، وهذه هي الاسطقسات [1] الأربعة ومنها ما تتقوم حقيقتها بأكثر من ذلك، كالحيوان والنبات. فما كان قوام حقيقته بصور اقل كانت افعاله اقل، وبعده عن الحياة اكثر. فان عدم الصورة جملة لم يكن فيه الى الحياة طريق، وصار في حال شبيهة بالعدم. وما كان من قوام حقيقته بصور اكثر كانت افعاله اكثر، ودخوله في حال الحياة ابلغ وان كانت تلك الصور بحيث لا سبيل الى مفارقتها لمادتها التي اختصت بها، كانت الحياة حينئذ في غاية الظهور والدوام والقوة. فالشيء العديم الصورة جملة هو الهيولى، والمادة ولا شيء من الحياة
(1) الاسطقسات، جمع اسطقس، لفظ يوناني بمعنى العنصر. والعناصر الأربعة هي: النار، الهواء، الماء، التراب.