وشاهد ذواتا كثيرة مفارقة للمادة، كأنها مرايا صدئة، قد ران عليها الخبث،
وهي مع ذلك مستديرة للمرايا الصقيلة التي ارتسمت فيها صورة الشمس، ومولية عنها بوجوهها. ورأى لهذه الذوات من القبح والنقص، ما لم يقم قط بباله. ورآها في آلام لا تنقضي، وحسرات لا تنمحي قد احاط بها سرادق العذاب، واحرقتها نار الحجاب ونشرت بمناشير بين الانزعاج والانجذاب.
وشاهد هنا ذواتا سوى هذه المعذبة تلوح، ثم تضمحل، وتنعقد ثم تنحل فتثبت فيها.
وانعم النظر اليها: فرأى هولا عظيما، وخطبا جسيما، وخلقا حثيثا، واحكاما بليغة، وتسوية ونفخا وانشاء ونسخا. فما هو الا ان تثبت قليلا، فعادت اليه حواسه، وتنبه من حاله تلك التي كانت شبيهة بالغشي، وزلت قدمه عن ذلك المقام، ولاح له العالم المحسوس، وغاب عنه العالم الالهي اذ لم يكن اجتماعهما في حال واحدة كضرتين: ان ارضيت احداهما اسخطت الاخرى. فان قلت: يظهر مما حكيته من هذه المشاهدة ان الذوات المفارقة، ان كانت لجسم دائم الوجود لا يفسد كالافلاك، كانت هي دائمة الوجود وان كانت لجسم يؤول الى الفساد، كالحيوان الناطق، فسدت هي واضمحلت وتلاشت حسبما مثلت به في مرايا الانعكاس. فان الصورة لا ثبات لها الا بثبات المرآة، فاذا فسدت المرآة صحّ فساد الصورة واضمحلت هي. فأقول لك: ما اسرع ما نسيت العهد، وحلت عن الربط. ألم نقدم اليك ان مجال العبارة هنا ضيق، وان الالفاظ على كل حال توهم غير الحقيقة. وذلك الذي توهمته انما اوقعك فيه ان جعلت المثال والممثل به على حكم واحد، من جميع الوجوه.
ولا ينبغي ان يفعل ذلك في اصناف المخاطبات المعتادة فكيف هاهنا والشمس ونورها، وصورتها وتشكلها، والمرايا والصور الحاصلة فيها، كلها امور غير مفارقة للاجسام، ولا قوام لها الا بها وفيها؟ فلذلك افتقرت في وجودها اليها، وبطلت ببطلانها.
واما الذوات الالهية، والارواح الربانية، فانها كلها بريئة عن الاجسام ولواحقها، ومنزهة غاية التنزيه عنها ولا ارتباط ولا تعلق لها بها وسواء بالاضافة اليها بطلان الاجسام او ثبوتها، ووجودها او عدمها. وانما ارتباطها وتعلقها بذات الواحد الحق الموجود الواجب الوجود، الذي هو اولها ومبدأها، وسببها وموجدها، وهو يعطيها
الدوام، ويمدها بالبقاء والتسرمد، ولا حاجة بها، بل الاجسام محتاجة اليها. ولو جاز عدمها، لعدمت الاجسام، فانها هي مباديها، كما انه لو جاز ان تعدم ذات الواحد الحق تعالى وتقدس عن ذلك، لا إله إلا هو لعدمت هذه الذوات كلها، ولعدمت الاجسام، ولعدم العالم الحسي بأسره، ولم يبق موجود، اذ الكل مرتبط بعضه ببعض. والعالم المحسوس، وان كان تابعا للعالم الالهي، شبيه الظل له والعالم الالهي مستغن عنه وبريء منه، فانه مع ذلك يستحيل فرض عدمه، اذ هو لا محالة تابع للعالم الالهي. وانما فساده ان يبدل، لا ان يعدم بالجملة. وبذلك نطق الكتاب العزيز حيثما وقع هذا المعنى في تغير الجبال وتصييرها كالعهن (1) ، والناس كالفراش، وتكوير الشمس والقمر، وتفجير البحار « {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمََاوََاتُ} » .