فمنهم من بتّ الحكم، وجزم القضية بأن (حي بن يقظان) من جملة من تكوّن في تلك البقعة، من غير ام ولا اب.
ومنهم من انكر ذلك، وروى من امره خبرا، نقصه عليك. فقال:
انه كان، بازاء تلك الجزيرة، جزيرة عظيمة، متسعة الاكناف، كثيرة الفوائد، عامرة بالناس، يملكها رجل منهم شديد الانفة والغيرة. وكانت له اخت ذات جمال وحسن باهر، فعضلها [1] ومنعها الازواج اذ لم يجد لها كفوا.
وكان له قريب يسمى يقظان. فتزوجها سرا، على وجه جائز في مذهبهم المشهور في زمنهم. ثم انها حملت منه، فوضعت طفلا.
فلما خافت ان يفتضح امرها وينكشف سرها، وضعته في تابوت احكمت زمه، بعد ان اروته من الرضاع. وخرجت به في اول الليل في جملة من خدمها وثقاتها الى ساحل البحر، وقلبها يحترق صبابة به، وخوفا عليه. ثم انها ودعته وقالت:
«اللهم انك قد خلقت هذا الطفل ولم يكن شيئا مذكورا، ورزقته في ظلمات الاحشاء وتكلفت به حتى تم واستوى. وانا قد سلمته الى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفا من هذا الملك الغشوم الجبار العنيد. فكن له، ولا تسلمه، يا ارحم الراحمين» .
ثم قذفت به في اليم. فصادف ذلك جري الماء بقوة المد، فاحتمله من ليلته الى ساحل الجزيرة الاخرى المتقدم ذكرها.
وكان المد يصل في ذلك الوقت الى موضع لا يصل اليه الا بعد عام. فادخله الماء بقوته الى اجمة ملتفة الشجر، عذبة التربة، مستورة عن الرياح والمطر، محجوبة عن الشمس، تزورّ عنها اذا طلعت، وتميل اذا غربت. ثم اخذ الماء في النقص والجزر، عن التابوت الذي فيه الطفل، وبقي التابوت في ذلك الموضع، وعلت الرمال بهبوب الرياح، وتراكمت بعد ذلك حتى سدت باب الاجمة على التابوت، وردمت مدخل
(1) عضلها: منعها الزواج ظلما وعدوانا.