وذلك انه قد تبرهن في العلوم الطبيعية، انه لا سبب لتكوّن الحرارة الا الحركة، او ملاقاة الاجسام الحارة والاضاءة. وتبين فيها ايضا ان الشمس بذاتها غير حارة، ولا متكيفة بشيء من هذه الامور المزاجية. وقد تبين فيها ايضا ان الاجسام التي تقبل الاضاءة اتم القبول
هي الاجسام الصقيلة، غير الشفافة، ويليها في قبول ذلك الاجسام الكثيفة، غير الصقيلة.
فأما الاجسام الشفافة التي لا شيء فيها من الكثافة، فلا تقبل الضوء بوجه. وهذا وحده مما برهنه الشيخ ابو علي (وحده) خاصة، ولم يذكره من تقدمه. فاذا تم وصحت هذه المقدمات، فاللازم عنها، ان الشمس لا تسخن الارض كما تسخن الاجسام الحارة اجساما أخر تماسها، لان الشمس، في ذاتها، غير حارة، ولا الارض ايضا تسخن بالحركة، لانها ساكنة، وعلى حالة واحدة في وقت شروق الشمس عليها وفي وقت مغيبها عنها. واحوالها في التسخين والتبريد ظاهرة الاختلاف للحس في هذين الوقتين. ولا الشمس ايضا تسخن الهواء اولا، ثم تسخن بعد ذلك الارض بتوسط سخونة الهواء. وكيف يكون ذلك، ونحن نجد ان ما قرب من الهواء من الارض في وقت الحر، اسخن كثيرا من الهواء الذي يبعد منه علوا؟ فيبقى ان تسخين الشمس للارض انما هو على سبيل الاضاءة لا غير. فان الحرارة تتبع الضوء ابدا حتى ان الضوء اذا افرط في المرآة المقعرة اشعل ما حاذاها. وقد ثبت في علوم التعاليم بالبراهين القطعية، ان الشمس كروية الشكل، وان الارض كذلك، وان الشمس اعظم من الارض كثيرا، وان الذي يستضيء من الارض بالشمس ابدا هو اعظم من نصفها، وان هذا النصف المضيء من الارض في كل وقت اشد ما يكون الضوء في وسطه، لانه ابعد المواضع من الظلمة عند محيط الدائرة، ولانه يقابل من الشمس اجزاء اكثر وما قرب من المحيط كان اقل ضوءا حتى ينتهي الى الظلمة عند محيط الدائرة الذي ما اضاء موقعه من الارض قط وانما يكون الموضع وسط دائرة الضياء، اذا كانت الشمس على سمت رءوس الساكنين فيه وحينئذ تكون الحرارة في ذلك الموضع اشد ما يكون. فان كان الموضع مما تبعد الشمس فيه عن مسامتة، رءوس اهله، كان شديد البرودة جدا وان كان مما تدوم فيه المسامتة، كان شديد الحرارة. وقد ثبت في علم الهيأة ان بقاع الارض التي على خط الاستواء لا تسامت الشمس رءوس اهلها، سوى مرتين في العام: عند حلولها برأس الحمل، وعند حلولها برأس الميزان. وهي في سائر العام ستة اشهر جنوبا منهم، وستة اشهر شمالا منهم. فليس عندهم حر مفرط، ولا برد مفرط. واحوالهم بسبب ذلك متشابهة.
وهذا القول يحتاج الى بيان اكثر من هذا، لا يليق بما نحن بسبيله، وانما نبهناك عليه لانه من الامور التي تشهد بصحة ما ذكر من تجويز تولد الانسان بتلك البقعة من غير ام ولا اب.
فمنهم من بتّ الحكم، وجزم القضية بأن (حي بن يقظان) من جملة من تكوّن في تلك البقعة، من غير ام ولا اب.