ثم تفكر في هذا الامتداد الى الاقطار الثلاثة، هل هو معنى الجسم بعينه،
وليس ثم معنى آخر، او ليس الامر كذلك؟ فرأى ان وراء هذا الامتداد معنى آخر، هو الذي يوجد فيه هذا الامتداد وحده، لا يمكن ان يقوم بنفسه كما ان ذلك الشيء الممتد لا يمكن ان يقوم بنفسه دون امتداد.
واعتبر ذلك ببعض هذه الاجسام المحسوسة، ذوات الصور، الطين مثلا. فرأى انه اذا عمل منه شكل ما كالكرة مثلا، كان له طول وعرض وعمق على قدر ما.
ثم ان تلك الكرة بعينها، لو اخذت وردت الى شكل مكعب او بيضي، لتبدل ذلك الطول وذلك العرض وذلك العمق، وصارت على قدر آخر، غير الذي كانت عليه.
والطين واحد بعينه، لم يتبدل، غير انه لا بد له من طول وعرض وعمق، على اي قدر كان، ولا يمكن ان يعرى عنها غير انها لتعاقبها عليه تبين له انها معنى على حياله ولكونه لا يعرى بالجملة عنها تبين له انها من حقيقته.
ولكن الامتداد بمثابة الصورة بالنسبة الى الجسم: فالاشياء مكونة من مادة وصورة، والصورة هي طبيعة الجسم فهي ما يجعل من هذا الكائن كائنا معينا ومتميزا عن باقي الكائنات.
فلاح له بهذا الاعتبار ان الجسم، بما هو جسم مركب على الحقيقة من معنيين:
احدهما، يقوم منه مقام الطين للكرة، في هذا المثال والآخر، يقوم مقام طول الكرة وعرضها وعمقها، او المكعب، او اي شكل كان به وانه لا يفهم الجسم الا مركبا من هذين المعنيين وان احدهما لا يستغني عن الآخر. لكن الذي يمكن ان يتبدل ويتعاقب على اوجه كثيرة، وهو معنى الامتداد، يشبه الصورة التي لسائر الاجسام ذوات الصور، والذي يثبت على حال واحدة، وهو الذي ينزل منزلة الطين المتقدم، يشبه معنى الجسمية التي لسائر الاجسام ذوات الصور. وهذا الشيء الذي هو بمنزلة الطين، في هذا المثال، هو الذي يسميه النظّار المادة والهيولى، وهي عارية عن الصورة جملة.
فلما انتهى نظره الى هذا الحد، وفارق المحسوس بعض مفارقة، واشرق على تخوم العالم العقلي، استوحش وحنّ الى ما ألفه من عالم الحس. فتقهقر قليلا، وترك الجسم
على الاطلاق، اذ هذا الامر لا يدركه الحس، ولا يقدر على تناوله. واخذ ابسط الاجسام المحسوسة التي شاهدها، وهي تلك الأربعة التي كان قد وقف نظره عليها.