فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 93

فرأى له ذاتا بريئة عن المادة، ليست شيئا من الذوات التي شاهدها قبلها، ولا هي سواها.

ولهذه الذات سبعون الف وجه، في كل وجه سبعون الف فم، وفي كل فم سبعون الف لسان، يسبح بها ذات الواحد الحق، ويقدسها ويمجدها، لا يفتر.

ورأى لهذه الذات التي توهم فيها الكثرة، وليست كثيرة، من الكمال واللذة، مثل الذي رآه لما قبلا. وكأن هذه الذات صورة الشمس التي تظهر في ماء مترجرج، قد انعكست اليها الصورة من آخر المرايا التي انتهى اليها الانعكاس، على الترتيب المتقدم من المرآة الاولى، التي قابلت الشمس بعينها.

ثم شاهد لنفسه ذاتا مفارقة، لو جاز ان تتبعض ذات السبعين الف وجه، لقلنا انها بعضها.

ولولا ان هذه الذات حدثت بعد ان لم تكن، لقلنا انها هي ولولا اختصاصها ببدنه عند حدوثه، لقلنا انها لم تحدث. وشاهد في هذه الرتبة ذواتا مثل ذاته لاجسام كانت ثم اضمحلت، ولاجسام لم تزل معه في الوجود، وهي من الكثرة في حد بحيث لا تتناهى، ان جاز ان يقال لها كثيرة او هي كلها متحدة، ان جاز ان يقال لها واحدة.

ورأى لذاته ولتلك الذوات، التي في رتبته، من الحسن والبهاء واللذة غير المتناهية، ما لا عين رأت ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يصفه الواصفون، ولا يعقله الا الواصلون العارفون.

يردد هنا تقسيم الأنفس عند ابن سينا: اللاحقون اهل الميمنة اهل الميسرة

وشاهد ذواتا كثيرة مفارقة للمادة، كأنها مرايا صدئة، قد ران عليها الخبث،

وهي مع ذلك مستديرة للمرايا الصقيلة التي ارتسمت فيها صورة الشمس، ومولية عنها بوجوهها. ورأى لهذه الذوات من القبح والنقص، ما لم يقم قط بباله. ورآها في آلام لا تنقضي، وحسرات لا تنمحي قد احاط بها سرادق العذاب، واحرقتها نار الحجاب ونشرت بمناشير بين الانزعاج والانجذاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت