ثم ينظر الى الشيء الذي اتحد به عنده النبات والحيوان، فيرى انه جسم ما مثل هذه الاجسام، له طول وعرض وعمق، وهو اما حار واما بارد، كواحد من هذه الاجسام التي تحس ولا تتغذى، وانما خالفها بافعاله التي تظهر عنه بالآلات الحيوانية والنباتية لا غير. ولعل تلك الافعال ليست ذاتية، وانما تسري اليه من شيء آخر،
ولو سرت الى هذه الاجسام الأخر لكانت مثله. فكان ينظر اليه بذاته مجردا عن هذه الافعال التي تظهر ببادئ الرأي انها صادرة عنه، فكان يرى انه ليس الا جسما من هذه الاجسام. فيظهر له بهذا التأمل ان الاجسام كلها شيء واحد: حيها وجمادها متحركها وساكنها. الا انه يظهر ان لبعضها افعالا بآلات، ولا يدري هل تلك الافعال ذاتية لها، او سارية اليها من غيرها. وكان في هذه الحال لا يرى شيئا غير الاجسام.
فكان بهذا الطريق يرى الوجود كله شيئا واحدا. وبالنظر الأول يرى الوجود كثرة لا تنحصر ولا تتناهى. وبقي بحكم هذه الحالة مدة.
ثم انه تأمل جميع الاجسام، حيها وجمادها، وهي التي عنده تارة شيء واحد، وتارة كثيرة كثرة لا نهاية لها. فرأى ان كل واحد منها لا يخلو من احد امرين: اما ان يتحرك الى جهة العلو، مثل الدخان واللهب والهواء، اذا حصل تحت الماء، واما ان يتحرك الى الجهة المضادة لتلك، وهي جهة السفل، مثل الماء واجزاء الارض، واجزاء الحيوان، والنبات، وان كل جسم من هذه الاجسام لن يعرى عن احدى هاتين الحركتين، وانه لا يسكن الا اذا منعه مانع يعوقه عن طريقه، مثل الحجر النازل يصادف وجه الارض صلبا، فلا يمكنه ان يخرقه، ولو امكنه ذلك لما انثنى عن حركته فيما يظهر. ولذلك اذا رفعته وجدته يتحامل عليك بميله الى جهة السفل، طالبا للنزول.
وكذلك الدخان في صعوده، لا ينثني الا ان صادف قبة صلبة تحبسه، فحينئذ ينعطف يمينا وشمالا، ثم اذا تخلص من تلك القبة، خرق الهواء صاعدا، لان الهواء لا يمكنه ان يحبسه.
وكان يرى الهواء اذا ملئ به زق جلد، وربط، ثم غوّص تحت الماء، طلب الصعود، وتحامل على من يمسكه تحت الماء، ولا يزال يفعل ذلك حتى يوافي موضع الهواء، وذلك بخروجه من تحت الماء، فحينئذ يسكن ويزول عنه ذلك التحامل والميل الى جهة العلو الذي كان يوجد منه قبل ذلك.
ونظر، هل يجد جسما يعرى عن احدى هاتين الحركتين او الميل الى احداهما
في وقت ما؟ فلم يجد ذلك في الاجسام التي لديه، وانما طلب ذلك لانه طمع ان يجده، فيرى طبيعة الجسم من حيث هو جسم، دون ان يقترن به وصف من الاوصاف التي هي منشأ التكثر.