فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 93

يبتدئان من هذه الجهة المتناهية، ويمران في سمك الجسم الى غير نهاية حسب امتداد الجسم، ثم تخيلت ان احد هذين الخطين قطع منه جزء كبير من ناحية طرفه المتناهي ثم اخذ ما بقي منه واطبق طرفه، الذي كان فيه موضع القطع، على طرف الخط الذي لم يقطع منه شيء، وذهب الذهن كذلك معهما الى الجهة التي يقال انها غير متناهية، فاما ان نجد الخطين ابدا يمتدان الى غير نهاية، ولا ينقص احدهما عن الآخر، فيكون الذي قطع منه جزء مساويا للذي لم يقطع منه شيء، وهو محال كما ان الكل مثل الجزء محال. واما ان لا يمتد الناقص معه ابدا، بل ينقطع دون مذهبه، ويقف عن الامتداد معه، فيكون متناهيا فاذا رد عليه القدر الذي قطع منه اولا، وقد كان متناهيا، صار كله ايضا متناهيا، وحينئذ لا يقصر عن الخط الآخر الذي لم يقطع منه شيء، ولا يفضل عليه، فيكون اذن مثله، وهو متناه فذلك ايضا متناه. فالجسم الذي تفرض فيه هذه الخطوط متناه، وكل جسم يمكن ان تفرض فيه هذه الخطوط. فكل جسم متناه. فاذا فرضنا ان جسما غير متناه، فقد فرضنا باطلا ومحالا.

الفلك على شكل الكرة ودليله رجوع الكواكب الى المشرق بعد مغيبها.

وهي تبدو على حجم واحد لكل كوكب منذ شروقه الى غروبه.

فلما صحّ عنده بفطرته الفائقة التي تنبهت لمثل هذه الحجة، ان جسم السماء متناه، اراد ان يعرف على اي شكل هو، وكيفية انقطاعه بالسطوح التي تحده.

فنظر اولا الى الشمس والقمر وسائر الكواكب فرآها كلها تطلع من جهة المشرق، وتغرب من جهة المغرب. فما كان منها يمرّ على سمت رأسه رآه يقطع دائرة عظمى، وما مال عن سمت رأسه الى الشمال، او الى الجنوب رآه يقطع دائرة اصغر من تلك.

وما كان ابعد عن سمت الرأس الى احد الجانبين، كانت دائرته اصغر من دائرة ما هو اقرب، حتى كانت اصغر الدوائر التي تتحرك عليها الكواكب دائرتين اثنتين:

احداهما حول القطب الجنوبي، وهي مدار سهيل، والاخرى حول القطب الشمالي، وهي مدار الفرقدين. ولما كان مسكنه على خط الاستواء الذي وصفناه اولا، كانت هذه الدوائر كلها قائمة على سطح افقه ومتشابهة الاحوال في الجنوب والشمال، وكان القطبان معا ظاهرين له، وكان يترقب اذا طلع كوكب من الكواكب على دائرة كبيرة، وطلع كوكب آخر على دائرة صغيرة، وكان طلوعهما معا، فكان يرى غروبهما معا.

واطرد له ذلك في جميع الكواكب، وفي جميع الاوقات. فتبين له بذلك ان الفلك على شكل الكرة. وقويّ ذلك في اعتقاده ما رآه من رجوع الشمس والقمر وسائر الكواكب الى المشرق بعد مغيبها بالمغرب، وما رآه ايضا من انها تظهر لبصره على قدر واحد من العظم في حال طلوعها وتوسطها وغروبها وانها لو كانت حركتها على غير شكل الكرة، لكانت لا محالة في بعض الاوقات اقرب الى بصره منها في وقت آخر ولو كانت كذلك، لكانت مقاديرها واعظامها تختلف عند بصره، فيراها في حال القرب اعظم مما يراها في حال البعد، لاختلاف ابعادها عن مركزه حينئذ بخلافها على الأول، فلما لم يكن شيء من ذلك، تحقق عنده كروية الشكل) (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت