الطول، والعرض، والعمق، لا ينفك شيء منها عن هذه الصفة، وكل ما لا ينفك عن هذه الصفة، فهو جسم. فهي اذن كلها اجسام. ثم تفكر هل هي ممتدة الى غير نهاية، وذاهبة ابدا الى الطول والعرض والعمق الى غير نهاية؟ او هي متناهية محدودة بحدود تنقطع عندها، ولا يمكن ان يكون وراءها شيء من الامتداد؟ فتحير في ذلك بعض حيرة. ثم انه بقوة نظره، وذكاء خاطره، رأى ان جسما لا نهاية له امر باطل، وشيء لا يمكن، ومعنى لا يعقل. وتقوى هذا الحكم عنده بحجج كثيرة، سنحت له بينه وبين نفسه، وذلك انه قال: اما هذا الجسم السماوي فهو متناه من الجهة التي تليني والناحية التي وقع عليها حسي، فهذا لا اشك فيه، لانني ادركه ببصري. واما الجهة التي تقابل هذه الجهة [1] ، وهي التي يداخلني فيها الشك، فاني ايضا اعلم انه من المحال ان تمتد الى غير نهاية، لاني ان تخيلت ان خطين اثنين
(1) انظر الرسم الموضح لهذه الحجة: لما كان الفلك محدودا من طرف، ولما كان الفلك جسما، وكل جسم محدود في الطول والعرض والعمق، استنتج حي ان جميع الافلاك محدودة ايضا من الطرف الآخر.
الافتراض:
اذا افترضنا الخطين وب لا متناهيين وهما يبدءان من جسم الكوكب المشاهد.
اذا قطع من الخط ب جزء وهو ب ج واطبق الباقي ح على الخط الأول.
اما ان يكون ج لا متناهيا مثل (الذي افترضناه لا متناهيا) .
وفي هذه الحالة يكون الخط الذي قطع منه جزء (اي ب ج) والباقي ج لا متناهيا، مثل الخط الأول الذي لم يقطع منه شيء والذي افترضناه لا متناهيا.
وهذا يستحيل: اذ يكون الجزء مثل الكل.
واما ان لا يمتد ح (وهو الخط الناقص) الى ما لا نهاية، فيكون متناهيا.
وفي هذه الحالة اذا رد اليه الجزء الذي قطع منه، اعني ب ج وهو جزء متناه، فيكون الجملة ب ح ح متناهيا. وحينئذ يكون ايضا متناهيا اذ افترضناه مساويا الى ب.
ملاحظة: هذا البرهان الذي اتى به ابن طفيل قريب من البرهان الذي ذكره الكندي في «ايضاح تناهي جوهر العالم» (انظر رسائل الكندي الفلسفية ص 185وما يليها) نشرها ابو ربدة، القاهرة 1950.