فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 93

ولم يكن بتلك الجزيرة شىء من السباع العادية، فتربى الطفل ونما واغتذى بلبن

تلك الظبية الى ان تم له حولان [1] ، وتدرج في المشي واثغر [2] ، فكان يتبع تلك الظبية. وكانت هي ترفق به وترحمه، وتحمله الى مواضع فيها شجر مثمر. فكانت تطعمه ما تساقط من ثمارها الحلوة النضيجة، وما كان منها صلب القشر كسرته له بطواحنها. ومتى عاد الى اللبن اروته، ومتى ظمئ الى الماء اوردته، متى ضحا [3]

ظللته، ومتى خصر [4] ادفأته. واذا جن الليل صرفته الى مكانه الأول، وجللته بنفسها، وبريش كان هناك، مما ملئ به التابوت اولا في وقت وضع الطفل فيه.

وكان في غدوّهما ورواحهما قد الفهما ربرب يسرح ويبيت معهما حيث مبيتهما.

المحاكاة غريزة في الانسان والحيوان. قوى النفس تظهر تدريجيا: التذكر والنزوع والكراهية.

فما زال الطفل مع الظباء على تلك الحال، يحكي نغمتها بصوته، حتى لا يكاد يفرق بينهما. وكذلك كان يحكي جميع ما يسمعه من اصوات الطير وانواع سائر الحيوان، محاكاة شديدة لقوة انفعاله لما يريده. واكثر ما كانت محاكاته لاصوات الظباء في الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع، اذ للحيوانات في هذه الاحوال المختلفة اصوات مختلفة. فألفته الوحوش وألفها، ولم تنكره ولا انكرها.

فلما ثبت في نفسه امثلة الأشياء بعد مغيبها عن مشاهدته، حدث له نزوع الى بعضها، وكراهية لبعض.

وكان في ذلك كله ينظر الى جميع الحيوانات فيراها كاسية بالاوبار والاشعار والريش. وكان يرى ما لها من سرعة العدو وقوة البطش، وما لها من الاسلحة المعدة لمدافعة من ينازعها، مثل القرون والانياب والحوافر والصياصي [5] والمخالب.

ثم يرجع الى نفسه، فيرى ما به من العري، وعدم السلاح، وضعف العدو، وقلة

(1) حولان: سنتان.

(2) اثغر: ظهرت اسنانه.

(3) ضحا: تعرض للشمس.

(4) خصر: برد.

(5) الصياصي: شوك الديك، وقرن البقر والظباء، وكل ما يتسلح به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت