فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 93

وكان قد صحّ عنده ان هذه الاجناس كلها من فعل ذلك الموجود الواجب الوجود، الذي تبين له ان سعادته في القرب منه، وطلب التشبيه به ولا محالة ان الاغتذاء بها مما يقطعها عن كمالها، ويحول بينها وبين الغاية القصوى المقصودة بها. فكان ذلك اعتراض على فعل الفاعل. وهذا الاعتراض مضاد لما يطلبه من القرب منه والتشبه به فرأى ان الصواب كان له، لو امكن ان يمتنع عن الغذاء جملة واحدة. لكنه لما لم يمكنه ذلك، ورأى انه ان امتنع عنه، آل ذلك الى فساد جسمه، فيكون ذلك اعتراضا على فاعله اشد من الأول، اذ هو اشرف من تلك الأشياء الاخر التي يكون فسادها سببا لبقائه. فاستسهل ايسر الضررين، وتسامح في اخف الاعتراضين، ورأى ان يأخذ من هذه الاجناس، اذا عدمت، ايها تيسر له، بالقدر الذي يتبين له بعد هذا.

نوع طعامه: اقتصر طعامه على الفواكه مع العناية ببزورها

او بزر بعض الثمر مثل الجوز. او الحيوان او بيض الحيوان شرط ان يأخذ ما هو اكثر وجودا حتى لا يفنى نوعه.

فاما ان كانت كلها موجودة، فينبغي له حينئذ ان يتثبت ويتخير منها ما لم يكن في اخذه كبير اعتراض على فعل الفاعل وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد تناهت في الطيب، وصلح ما فيها من البزر لتوليد المثل على شرط التحفظ بذلك البزر، بان لا يأكله ولا يفسده ولا يلقيه في موضع لا يصلح للنبات، مثل الصفاة [1]

والسبخة ونحوهما. فان تعذر عليه وجود مثل هذه الثمرات ذات اللحم الغاذي، كالتفاح والكمثرى والاجاص ونحوها، كان له عند ذلك ان يأخذ اما من الثمرات التي لا يغذو منها الا نفس البزر، كالجوز والقسطل، واما من البقول التي لم تصل بعد حد كمالها.

والشرط عليه في هذين ان يقصد اكثرها وجودا واقواها توليدا، وان لا يستأصل اصولها ولا يفني بزرها. فان عدم هذه، فله ان يأخذ من الحيوان او من بيضه، والشرط عليه في الحيوان ان يأخذ من اكثره وجودا، ولا يستأصل منه نوعا بأسره.

هذا ما رآه في جنس ما يتغذى به.

المقدار: ما يسد خلة الجوع

الزمان: يأكل لما يشعر بضعف من قلة الطعام

واما المقدار، فرأى ان يكون بحسب ما يسد خلة [2] الجوع، ولا يزيد عليها.

واما الزمان الذي بين كل عودتين فرأى انه اذا اخذ حاجته من الغذاء، ان يقيم عليه ولا يتعرض لسواه، حتى يلحقه ضعف يقطع به عن بعض الاعمال التي تجب عليه في التشبه الثاني، وهي التي يأتي ذكرها بعد هذا.

فاما ما تدعو اليه الضرورة في بقاء الروح الحيواني مما يقيه من خارج، فكان الخطب فيه عليه يسيرا، اذ كان مكتسيا بالجلود، وقد كان له مسكن يقيه مما يرد عليه من خارج. فاكتفى بذلك، ولم ير الاشتغال به والتزم في غذائه القوانين التي رسمها لنفسه، وهي التي تقدم شرحها.

(1) الصفاة: الحجر الضخم الشديد الذي لا ينبت.

(2) خلة: حاجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت